القرآن والحديث والعلماء: محمد والجهاد في سبيل الله

من ویکی اسلام
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

يصور التقليد الإسلامي المبكر مرحلتين متميزتين في سيرة النبي: الفترة المكية ، التي تميزت بالنصائح السلمية لأهل مكة الوثنيين للتخلي عن آلهتهم واعتناق الإسلام ، والفترة المدنية التي تميزت باتساع الصراعات مع القبائل اليهودية المجاورة ووثنيي مكة. وفقًا للسيرة والعديد من الأحاديث النبوية ، فقد أمر محمد خلال هذه الفترة بالعديد من المواجهات والاغتيالات ضد أعدائه في مكة والمدينة وتغاضى عنها. تشكل هذه العمليات العسكرية الجهاد ، وهو واجب مقدس يقع على عاتق جميع الرجال المسلمين القادرين جسديًا على الانخراط في الكفاح المسلح لتوسيع نطاق الإسلام. الرجال الذين يموتون "في سبيل الله" سيكونون شهداء يتمتعون بـ 72 عذراء في الجنة ، والذين يعيشون وينتصرون سينعمون بغنيمة إلهية في هذا العالم. الهدف الأول للجهاد هم الوثنيون في مكة المكرمة ومقامهم المقدس الكعبة ، لكن القرآن والعديد من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم يوضح أن الجهاد واجب على جميع المسلمين حتى "يكون الدين كله لله "(8:39). كان محمد قائد هذه الحملات العسكرية ولعب دور القائد الأعلى. كما شارك في المعارك بنفسه ، فقاتل وحتى أصيب. وهكذا كان الجهاد جزءًا أساسيًا من الإسلام المبكر وفقًا لتعاليمه وأوامر نبيه محمد.

حديث

حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ، قَالَ كُنْتُ فِي سِكَّةِ الْمِرْبَدِ فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ مَعَهَا نَاسٌ كَثِيرٌ قَالُوا جَنَازَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ فَتَبِعْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ عَلَيْهِ كِسَاءٌ رَقِيقٌ عَلَى بُرَيْذِينَتِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ خِرْقَةٌ تَقِيهِ مِنَ الشَّمْسِ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا الدِّهْقَانُ قَالُوا هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ‏.‏ فَلَمَّا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ قَامَ أَنَسٌ فَصَلَّى عَلَيْهَا وَأَنَا خَلْفَهُ لاَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ شَىْءٌ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ لَمْ يُطِلْ وَلَمْ يُسْرِعْ ثُمَّ ذَهَبَ يَقْعُدُ فَقَالُوا يَا أَبَا حَمْزَةَ الْمَرْأَةُ الأَنْصَارِيَّةُ فَقَرَّبُوهَا وَعَلَيْهَا نَعْشٌ أَخْضَرُ فَقَامَ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا نَحْوَ صَلاَتِهِ عَلَى الرَّجُلِ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ يَا أَبَا حَمْزَةَ هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي عَلَى الْجَنَازَةِ كَصَلاَتِكَ يُكَبِّرُ عَلَيْهَا أَرْبَعًا وَيَقُومُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجِيزَةِ الْمَرْأَةِ قَالَ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ نَعَمْ غَزَوْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا فَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ فَحَمَلُوا عَلَيْنَا حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ وَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الإِسْلاَمِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّ عَلَىَّ نَذْرًا إِنْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمِ يَحْطِمُنَا لأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ ‏.‏ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَجِيءَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ ‏.‏ فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يُبَايِعُهُ لِيَفِيَ الآخَرُ بِنَذْرِهِ ‏.‏ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّى لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَأْمُرَهُ بِقَتْلِهِ وَجَعَلَ يَهَابُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لاَ يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي ‏.‏ فَقَالَ ‏"‏ إِنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْمِ إِلاَّ لِتُوفِيَ بِنَذْرِكَ ‏"‏ ‏.‏ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَوْمَضْتَ إِلَىَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ ‏"‏ ‏.‏ قَالَ أَبُو غَالِبٍ فَسَأَلْتُ عَنْ صَنِيعِ أَنَسٍ فِي قِيَامِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ عَجِيزَتِهَا فَحَدَّثُونِي أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ لأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ النُّعُوشُ فَكَانَ الإِمَامُ يَقُومُ حِيَالَ عَجِيزَتِهَا يَسْتُرُهَا مِنَ الْقَوْمِ ‏.‏ قَالَ أَبُو دَاوُدَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ‏"‏ ‏.‏ نَسَخَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ إِنِّي قَدْ تُبْتُ ‏.‏

ابن هشام وابن اسحاق

إسْلامُ حَمْزَةَ ﵀ [٢]

(أذاةُ أبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، ووُقُوفُ حَمْزَةَ عَلى ذَلِكَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن أسْلَمَ، كانَ واعِيَةً: أنَّ أبا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ الصَّفا، فَآذاهُ وشَتَمَهُ، ونالَ مِنهُ بَعْضَ ما يَكْرَهُ مِن العَيْبِ لِدِينِهِ، والتَّضْعِيفِ لِأمْرِهِ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومَوْلاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ فِي مَسْكَنٍ لَها تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلى نادٍ [١] مِن قُرَيْشٍ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵁ أنْ أقْبَلَ مُتَوَشِّحًا [٢] قَوْسَهُ، راجِعًا مِن قَنْصٍ [٣] لَهُ، وكانَ صاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ ويَخْرُجُ لَهُ، وكانَ إذا رَجَعَ مِن قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلى أهْلِهِ حَتّى يَطُوفَ بِالكَعْبَةِ، وكانَ إذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلى نادٍ مِن قُرَيْشٍ إلّا وقَفَ وسَلَّمَ وتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وكانَ أعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وأشَدَّ شَكِيمَةً. فَلَمّا مَرَّ بِالمَوْلاةِ، وقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بَيْتِهِ، قالَتْ لَهُ: يا أبا عُمارَةَ، لَوْ رَأيْتَ ما لَقِيَ ابْنُ أخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِن أبِي الحَكَمِ بن هِشام: وجنده هاهُنا جالِسًا فَآذاهُ وسَبَّهُ، وبَلَغَ مِنهُ ما يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ ولَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. (إيقاعُ حَمْزَةَ بِأبِي جَهْلٍ وإسْلامُهُ):

فاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الغَضَبُ لَمّا أرادَ اللَّهُ بِهِ مِن كَرامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعى ولَمْ يَقِفْ عَلى أحَدٍ، مُعِدًّا لِأبِي جَهْلٍ إذا لَقِيَهُ أنْ يُوقِعَ بِهِ، فَلَمّا دَخَلَ المَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جالِسًا فِي القَوْمِ، فَأقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتّى إذا قامَ عَلى رَأْسِهِ رَفَعَ القَوْسَ فَضَرَبَهُ بِها فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قالَ: أتَشْتِمُهُ وأنا عَلى دِينِهِ أقُولُ ما يَقُولُ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إنْ اسْتَطَعْتُ. فَقامَتْ رِجالٌ مِن بَنِي مَخْزُومٍ إلى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أبا جَهْلٍ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: دَعُوا أبا عُمارَةَ، فَإنِّي واَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا، وتَمَّ حَمْزَةُ ﵁ عَلى إسْلامِهِ، وعَلى ما تابَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن قَوْلِهِ. فَلَمّا أسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَزَّ وامْتَنَعَ، وأنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ ما كانُوا يَنالُونَ [٤] مِنهُ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.292-291.
(اعْتِزازُ المُسْلِمِينَ بِإسْلامِ عُمَرَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ولَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ العاصِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ عَلى قُرَيْشٍ، ولَمْ يُدْرِكُوا ما طَلَبُوا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ورَدَّهُما النَّجاشِيُّ بِما يَكْرَهُونَ، وأسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وكانَ رَجُلًا ذا شَكِيمَةٍ لا يُرامُ ما وراءَ ظَهْرِهِ، امْتَنَعَ بِهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبِحَمْزَةِ حَتّى عازُوا قُرَيْشًا [١]، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: ما كُنّا نَقْدِرُ عَلى أنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، حَتّى أسْلَمَ عُمَرُ (بْنُ الخَطّابِ) [٢]، فَلَمّا أسْلَمَ قاتَلَ قُرَيْشًا حَتّى صَلّى عِنْدَ الكَعْبَةِ، وصَلَّيْنا مَعَهُ، وكانَ إسْلامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَن خَرَجَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى الحَبَشَةِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.342.
(مَن شَهِدَها مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ):

ومِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مالِكِ بْنِ الأوْسِ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ القَيْسِ ابْن مالِكِ بْنِ الأوْسِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، فَقُتِلَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَهِيدًا. قالَ ابْنُ هِشامٍ: ونَسَبَهُ ابْنُ إسْحاقَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهُوَ مِن بَنِي غَنْمِ ابْن السَّلْمِ، لِأنَّهُ رُبَّما كانَتْ دَعْوَةُ الرَّجُلِ فِي القَوْمِ، ويَكُونُ فِيهِمْ فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ورِفاعَةُ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرَ [٢] بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ [٣] بْنِ زَيْدِ ابْن مالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرٍو، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمانِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ البُرَكِ- واسْمُ البُرَكِ: امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو (بْنِ عَوْفِ بْنِ مالِكِ بْنِ الأوْسِ) [٤]- شَهِدَ بَدْرًا، وقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا أمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلى الرُّماةِ، ويُقالُ: أُمَيَّةُ بْنُ البَرْكِ [٥]، فِيما قالَ ابْنُ هِشامٍ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ومَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الجَدِّ [٦] بْنِ العَجْلانِ بْنِ (حارِثَةَ) [٤] بْنِ ضُبَيْعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِن بَلِيٍّ، شَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا والخَنْدَقَ، ومَشاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلَّها، قُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ شَهِيدًا فِي خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. وعُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وأُحُدًا والخَنْدَقَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.456.
(بَدْءُ قِتالِ المُشْرِكِينَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ إنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَهَيَّأ لِحَرْبِهِ، قامَ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِن جِهادِ عَدُوِّهِ، وقِتالِ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِمَّنْ يَلِيهِ مِن المُشْرِكِينَ، مُشْرِكِي العَرَبِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى بِثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.590.
(نُكْرانُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَلى ابْنِ جَحْشٍ قِتالَهُ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ [٢]: فَلَمّا قَدمِوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ، قالَ: ما أمَرْتُكُمْ بِقِتالٍ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ. فَوَقَّفَ العِيرَ والأسِيرَيْنِ. وأبى أنْ يَأْخُذَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُقِطَ فِي أيْدِي القَوْمِ، وظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وعَنَّفَهُمْ إخْوانُهُمْ مِن المُسْلِمِينَ فِيما صَنَعُوا. وقالَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ الشَّهْرَ الحَرامَ، وسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وأخَذُوا فِيهِ الأمْوالَ، وأسَرُوا فِيهِ الرِّجالَ، فَقالَ مَن يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن المُسْلِمِينَ، مِمَّنْ كانَ بِمَكَّةَ: إنّما أصابُوا ما أصابُوا فِي شَعْبانَ. (تَوَقَّعَ اليَهُودُ بِالمُسْلِمِينَ الشَّرَّ): وقالَتْ يَهُودُ- تَفاءَلَ بِذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- عَمْرُو بْنُ الحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَمْرٌو، عَمُرَتْ الحَرْبُ، والحَضْرَمِيُّ، حَضَرَتْ الحَرْبُ، وواقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وقَدَتْ الحَرْبُ. فَجَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ. (نُزُولُ القُرْآنِ فِي فِعْلِ ابْنِ جَحْشٍ وإقْرارُ الرَّسُولِ لَهُ صلى الله عليه وسلم فِي فِعْلِهِ):

فَلَمّا أكْثَرَ النّاسُ فِي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ على رَسُوله صلى الله عليه وسلم: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ، وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ، والمَسْجِدِ الحَرامِ، وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ٢: ٢١٧ أيْ إنْ كُنْتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ فَقَدْ صَدُّوكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ الكُفْرِ بِهِ، وعَنْ المَسْجِدِ الحَرامِ، وإخْراجُكُمْ مِنهُ وأنْتُمْ أهْلُهُ، أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ مَن قَتَلْتُمْ مِنهُمْ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ ٢: ٢١٧
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.604-603.
(شِعْرٌ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ يُنْسَبُ إلى أبِي بَكْرٍ وإلى ابْنِ جَحْشٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي غَزْوَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، ويُقالُ: بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ قالَها، حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ: قَدْ أحَلَّ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ الشَّهْرَ الحَرامَ، وسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ وأخَذُوا فِيهِ المالَ، وأسَرُوا فِيهِ الرِّجالَ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: هِيَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ: تَعُدُّونَ قَتْلًا فِي الحَرامِ عَظِيمَةً … وأعْظَمُ مِنهُ لَوْ يَرى الرُّشْدَ راشِدُ صُدُودُكُمْ عَمّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ … وكُفْرٌ بِهِ واَللَّهُ راءٍ وشاهِدُ وإخْراجُكُمْ مِن مَسْجِدِ اللَّهِ أهْلَهُ … لِئَلّا يُرى للَّه فِي البَيْتِ ساجِدُ فَإنّا وإنْ عَيَّرْتُمُونا بِقَتْلِهِ … وأرْجَفَ بِالإسْلامِ باغٍ وحاسِدُ سَقَيْنا مِن ابْنِ الحَضْرَمِيِّ رِماحَنا … بِنَخْلَةَ لَمّا أوْقَدَ الحَرْبَ واقِدُ

دَمًا وابْنُ عَبْدِ اللَّهِ عُثْمانُ بَيْنَنا … يُنازِعُهُ غُلٌّ مِن القَدِّ عانِدُ [١]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.606-605.
(تَحْرِيضُ المُسْلِمِينَ عَلى القِتالِ):

قالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى النّاسِ فَحَرَّضَهُمْ، وقالَ: واَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يُقاتِلُهُمْ اليَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، إلّا أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ. فَقالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ، أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وفِي يَدِهِ تَمَراتٍ يَأْكُلُهُنَّ: بَخْ بَخْ [٤]، أفَما بَيْنِي وبَيْنَ أنْ أدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا أنْ يَقْتُلَنِي هَؤُلاءِ، ثُمَّ قَذَفَ التَّمَراتِ مِن يَدِهِ وأخَذَ سَيْفَهُ، فَقاتَلَ القَوْمَ حَتّى قُتِلَ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ: أنَّ عَوْفَ [٥] بْنَ الحارِثِ، وهُوَ ابْنُ عَفْراءَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يُضْحِكُ [٦] الرَّبَّ مِن عَبْدِهِ؟ قالَ: غَمْسُهُ يَدَهُ فِي العَدُوِّ حاسِرًا. فَنَزَعَ دِرْعًا كانَتْ عَلَيْهِ فَقَذَفَها، ثُمَّ أخَذَ سَيْفَهُ فَقاتَلَ القَوْمَ حَتّى قُتِلَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.627.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وعُكّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ الَّذِي قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَدْخُلُ الجَنَّةَ سَبْعُونَ ألْفًا مِن أُمَّتِي عَلى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنهُمْ، قالَ: إنّكَ مِنهُمْ، أوْ اللَّهمّ اجْعَلْهُ مِنهُمْ، فَقامَ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اُدْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنهُمْ، فَقالَ: سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ وبَرَدَتْ الدَّعْوَةُ [٢]. وقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِيما بَلَغَنا عَنْ أهْلِهِ: مِنّا خَيْرُ فارِسٍ فِي العَرَبِ، قالُوا: ومَن هُوَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقالَ ضِرارُ بْنُ الأزْوَرِ الأسَدِيُّ: ذاكَ رَجُلٌ مِنّا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: لَيْسَ مِنكُمْ ولَكِنَّهُ مِنّا لِلْحِلْفِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.638.
ثُمَّ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم- حَتّى إذا خَرَجَ مِن مَضِيقِ الصَّفْراءِ نَزَلَ عَلى كَثِيبٍ بَيْنَ المَضِيقِ وبَيْنَ النّازِيَةِ- يُقالُ لَهُ: سَيْرٌ- إلى سَرْحَةٍ بِهِ.

فَقَسَمَ هُنالِكَ النَّفَلَ الَّذِي أفاءَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِن المُشْرِكِينَ عَلى السَّواءِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتّى إذا كانَ بِالرَّوْحاءِ لَقِيَهُ المُسْلِمُونَ يُهَنِّئُونَهُ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ومَن مَعَهُ مِن المُسْلِمِينَ، فَقالَ لَهُمْ سَلَمَةُ بْنُ سَلامَةَ- كَما حَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ-: ما الَّذِي تهنئوننا بِهِ؟ فو الله إنْ لَقِينا إلّا عَجائِزَ صُلْعًا كالبُدْنِ المُعَقَّلَةِ، فَنَحَرْناها، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قالَ: أيْ ابْنَ أخِي، أُولَئِكَ المَلَأُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: المَلَأُ: الأشْرافُ والرُّؤَساءُ. (مَقْتَلُ النَّضْرِ وعُقْبَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَتّى إذا كانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالصَّفْراءِ قُتِلَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، كَما أخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أهْلِ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتّى إذا كانَ بِعِرْقِ الظَّبْيَةِ قُتِلَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: عِرْقُ الظَّبْيَةِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحاقَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: واَلَّذِي أسَرَ عُقْبَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلِمَةَ [١] أحَدُ بَنِي العَجْلانِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَقالَ عُقْبَةُ حِينَ أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ: فَمَن لِلصِّبْيَةِ يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: النّارُ. فَقَتَلَهُ عاصِمُ بْنُ ثابِتِ بْنِ أبِي الأقْلَحِ الأنْصارِيُّ، أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَما حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ.

قالَ ابْنُ هِشامَ: ويُقالُ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فِيما ذَكَرَ لِي ابْنُ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.644-643.
(شِعْرُ هِنْدٍ وكِنانَةُ فِي خُرُوجِ زَيْنَبَ):

ولَمّا انْصَرَفَ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى زَيْنَبَ لَقِيَتْهُمْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقالَتْ لَهُمْ: أفِي السِّلْمِ أعْيارٌ جَفاءً وغِلْظَةً … وفِي الحَرْبِ أشْباهُ النِّساءِ العَوارِكِ [٧] وقالَ كِنانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي أمْرِ زَيْنَبَ، حِينَ دَفَعَها إلى الرَّجُلَيْنِ [٨]: عَجِبْتُ لِهَبّارٍ وأوْباشِ قَوْمِهِ … يُرِيدُونَ إخْفارِي بِبِنْتِ مُحَمَّدِ [١]

ولَسْتُ أُبالِي ما حَيِيتُ عَدِيدَهُمْ … وما اسْتَجْمَعْتُ قَبْضًا يَدِي بِالمُهَنَّدِ [٢]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.657-656.
(ما نَزَلَ فِي حَضِّ المُسْلِمِينَ عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ): ثُمَّ قالَ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ ٨: ٢٠: أيْ لا تُخالِفُوا أمْرَهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ لِقَوْلِهِ، وتَزْعُمُونَ أنَّكُمْ مِنهُ، ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهُمْ لا يَسْمَعُونَ ٨: ٢١: أيْ كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطّاعَةَ، ويُسِرُّونَ لَهُ المَعْصِيَةَ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ٨: ٢٢: أيْ المُنافِقُونَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أنْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ، بُكْمٌ عَنْ الخَيْرِ، صُمٌّ عَنْ الحَقِّ، لا يَعْقِلُونَ: لا يَعْرِفُونَ ما عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ مِن النِّقْمَةِ والتَّباعَةِ [١] ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ ٨: ٢٣، أيْ لَأنْفَذَ لَهُمْ قَوْلَهُمْ الَّذِي قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ، ولَكِنَّ القُلُوبَ خالَفَتْ ذَلِكَ مِنهُمْ، ولَو خَرجُوا مَعكُمْ لَتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ ٨: ٢٣، ما وفَوْا لَكُمْ بِشَيْءٍ مِمّا خَرَجُوا عَلَيْهِ. يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ٨: ٢٤: أيْ لِلْحَرْبِ الَّتِي أعَزَّكُمْ اللَّهُ بِها بَعْدَ الذُّلِّ، وقَوّاكُمْ بِها بَعْدَ الضَّعْفِ، ومَنَعَكُمْ بِها مِن عَدُوِّكُمْ بَعْدَ القَهْرِ مِنهُمْ لَكُمْ، واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ، فَآواكُمْ وأيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، ورَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.669.
(ما نَزَلَ فِي تَبْشِيرِ المُسْلِمِينَ بِالمُساعَدَةِ والنَّصْرِ، وتَحْرِيضِهِمْ): ثُمَّ قالَ تَعالى: إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ٨: ١٢: أيْ آزِرُوا [١] الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ، فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ، واضْرِبُوا مِنهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأنَّهُمْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، ومن يُشاقِقِ اللَّهِ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ ٨: ١٢- ١٣، ثُمَّ قالَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ. ومن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ٨: ١٥- ١٦: أيْ تَحْرِيضًا لَهُمْ عَلى عَدُوِّهِمْ لِئَلّا يَنْكُلُوا عَنْهُمْ إذا لَقُوهُمْ، وقَدْ وعَدَهُمْ اللَّهُ فِيهِمْ ما وعَدَهُمْ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.668-667.
(ما نَزَلَ فِي وعْظِ المُسْلِمِينَ وتَعْلِيمِهِمْ خُطَطَ الحَرْبِ):

ثُمَّ وعَظَهُمْ وفَهَّمَهُمْ وأعْلَمَهُمْ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ أنْ يَسِيرُوا بِهِ فِي حَرْبِهِمْ، فَقالَ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً ٨: ٤٥ تُقاتِلُونَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿ فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ٨: ٤٥ الَّذِي لَهُ بَذَلْتُمْ أنْفُسَكُمْ، والوَفاءَ لَهُ بِما أعْطَيْتُمُوهُ مِن بَيْعَتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ٨: ٤٥- ٤٦: أيْ لا تَخْتَلِفُوا فَيَتَفَرَّقَ أمْرُكُمْ وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ٨: ٤٦ أيْ وتَذْهَبَ حِدَّتُكُمْ [٤] واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ ٨: ٤٦ أيْ إنِّي مَعَكُمْ إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ٨: ٤٧: أيْ لا تَكُونُوا كَأبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ، الَّذِينَ قالُوا: لا نَرْجِعُ حَتّى نَأْتِيَ بَدْرًا فَنَنْحَرَ بِها الجُزُرَ وتُسْقى بِها الخَمْرَ، وتَعْزِفُ عَلَيْنا فِيها القِيانُ، وتَسْمَعُ العَرَبُ: أيْ لا يَكُونُ أمْرُكُمْ رِياءً، ولا سُمْعَةً، ولا التِماسَ ما عِنْدَ النّاسِ وأخْلِصُوا للَّه النِّيَّةَ والحِسْبَةَ فِي نَصْرِ دِينِكُمْ، ومُوازَرَةِ نَبِيِّكُمْ، لا تَعْمَلُوا إلّا لِذَلِكَ ولا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ. ثُمَّ قالَ تَعالى: وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ وقال لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ، وإنِّي جارٌ لَكُمْ ٨: ٤٨. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أهْلَ الكُفْرِ، وما يَلْقَوْنَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، ووَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ، وأخْبَرَ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عَنْهُمْ، حَتّى انْتَهى إلى أنْ قالَ فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٨: ٥٧ أيْ فَنَكِّلْ بِهِمْ مِن ورائِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْقِلُونَ وأعِدُّوا لَهُمْ ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومن رِباطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ٨: ٦٠.. إلى قَوْلِهِ تَعالى: وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إلَيْكُمْ، وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ٨: ٦٠: أيْ لا يَضِيعُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أجْرُهُ فِي الآخِرَةِ، وعاجِلٌ خِلَفَهُ فِي الدُّنْيا ثُمَّ قالَ تَعالى: وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ٨: ٦١: أيْ إنْ دَعَوْكَ إلى السَّلْمِ عَلى الإسْلامِ فَصالِحْهُمْ عَلَيْهِ وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ٨: ٦١ إنّ اللَّهَ كافِيكَ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ٨: ٦١. (تَفْسِيرُ ابْنِ هِشامٍ لِبَعْضِ الغَرِيبِ): قالَ ابْنُ هِشامٍ: جَنَحُوا لِلسَّلْمِ: مالُوا إلَيْكَ لِلسَّلْمِ. الجُنُوحُ: المَيْلُ. قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: جُنُوحُ الهالِكِيَّ عَلى يَدَيْهِ … مُكِبًّا يَجْتَلِي نُقَبَ النِّصالِ [١] وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ (يُرِيدُ: الصَّيْقَلَ المُكِبَّ عَلى عَمَلِهِ. النَّقْبُ صَدَأُ السَّيْفِ. يَجْتَلِي: يَجْلُو السَّيْفَ) [٢]. والسَّلْمُ (أيْضًا): الصُّلْحُ، وفِي كِتابِ اللَّهِ ﷿: فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ٤٧: ٣٥، ويُقْرَأُ: «إلى السِّلم»، وهُوَ ذَلِكَ المَعْنى. قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى: وقَدْ قُلْتُما إنْ نُدْرِكْ السِّلْمَ واسِعًا … بِمالٍ ومَعْرُوفٍ مِن القَوْلِ نَسْلَمْ وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وبَلَغَنِي عَنْ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ٨: ٦١ لِلْإسْلامِ. وفِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً ٢: ٢٠٨، ويُقْرَأُ «فِي السَّلْم»، وهُوَ الإسْلامُ. قالَ أُمَيَّةُ ابْن أبِي الصَّلْتِ: فَما أنابُوا لِسَلْمٍ حِينَ تُنْذِرُهُمْ … رُسْلَ الإلَهِ وما كانُوا لَهُ عَضُدا [١] وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وتَقُولُ العَرَبُ لِدَلْوٍ تُعْمَلُ مُسْتَطِيلَةً: السَّلْمُ. قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ، أحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، يَصِفُ ناقَةً لَهُ: لَها مِرْفَقانِ أفْتَلانِ كَأنَّما … تَمُرُّ بِسَلْمى دالِحٍ مُتَشَدِّدٍ [٢] (ويُرْوى: دالِجٍ) [٣]. وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ٨: ٦٢ هُوَ مِن وراءِ ذَلِكَ. هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ ٨: ٦٢ بَعْدَ الضَّعْفِ وبِالمُؤْمِنِينَ وألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ٨: ٦٢- ٦٣ عَلى الهُدى الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ لَوْ أنْفَقْتَ ما فِي الأرْضِ جَمِيعًا ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، ولكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ ٨: ٦٣ بِدِينِهِ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ إنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٨: ٦٣. ثُمَّ قالَ تَعالى: يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومن اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ، إنْ يَكُنْ مِنكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وإنْ يَكُنْ مِنكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ٨: ٦٤- ٦٥: أيْ لا يُقاتِلُونَ عَلى نِيَّةٍ ولا حَقٍّ ولا مَعْرِفَةٍ بِخَيْرٍ ولا شَرٍّ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى المُسْلِمِينَ، وأعْظَمُوا أنْ يُقاتل عشرُون مِائَتَيْنِ، ومِائَة ألْفًا، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَنَسَخَتْها الآيَةُ الأُخْرى، فَقالَ: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإنْ يَكُنْ مِنكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وإنْ يَكُنْ مِنكُمْ ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ، والله مَعَ الصّابِرِينَ ٨: ٦٦. قالَ: فَكانُوا إذا كانُوا عَلى الشَّطْرِ مِن عَدُوِّهِمْ لَمْ يَنْبَغِ لَهُمْ أنْ يَفِرُّوا مِنهُمْ، وإذا كانُوا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ قِتالُهُمْ وجازَ لَهُمْ أنْ يَتَحَوَّزُوا عَنْهُمْ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.1، ص.675-673.
مَشى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، ثُمَّ وجَّهَهُمْ، فَقالَ: انْطَلِقُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ، اللَّهمّ أعِنْهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى بَيْتِهِ، وهُوَ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، وأقْبَلُوا حَتّى انْتَهَوْا إلى حِصْنِهِ، فَهَتَفَ بِهِ أبُو نائِلَةَ، وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَوَثَبَ فِي [١] مِلْحَفَتِهِ، فَأخَذَتْ امْرَأتُهُ [٢] بِناحِيَتِها، وقالَتْ: إنّكَ امْرُؤٌ مُحارِبٌ، وإنَّ أصْحابَ الحَرْبِ لا يَنْزِلُونَ فِي هَذِهِ السّاعَةِ، قالَ: إنّهُ أبُو نائِلَةَ، لَوْ وجَدَنِي نائِمًا لَما أيْقَظَنِي، فَقالَتْ: واَللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ فِي صَوْتِهِ الشَّرَّ، قالَ: يَقُولُ لَها كَعْبٌ: لَوْ يُدْعى الفَتى لِطَعْنَةٍ لَأجابَ.

فَنَزَلَ فَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ ساعَةً، وتَحَدَّثُوا مَعَهُ، ثُمَّ قالَ: هَلْ لَكَ يا بن الأشْرَفِ أنْ تَتَماشى إلى شِعْبِ العَجُوزِ [٣]، فَنَتَحَدَّثَ بِهِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنا هَذِهِ؟ قالَ: إنْ شِئْتُمْ. فَخَرَجُوا يَتَماشَوْنَ، فَمَشَوْا ساعَةً، ثُمَّ إنّ أبا نائِلَةَ شامَ [٤] يَدَهُ فِي فَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ شَمَّ يَدَهُ فَقالَ: ما رَأيْتُ كاللَّيْلَةِ طِيبًا أعْطَرَ قَطُّ، ثُمَّ مَشى ساعَةً، ثُمَّ عادَ لِمِثْلِها حَتّى اطْمَأنَّ، ثُمَّ مَشى ساعَةً، ثُمَّ عادَ لِمِثْلِها، فَأخَذَ بِفَوْدِ رَأْسِهِ، ثُمَّ قالَ: اضْرِبُوا عَدُوَّ اللَّهِ، فَضَرَبُوهُ، فاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ [٥] أسْيافُهُمْ، فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: فَذَكَرْتُ مِغْوَلًا [٦] فِي سَيْفِي، حِينَ رَأيْتُ أسْيافَنا لا تُغْنِي شَيْئًا، فَأخَذْتُهُ، وقَدْ صاحَ عَدُوُّ اللَّهِ صَيْحَةً لَمْ يَبْقَ حَوْلَنا حِصْنٌ إلّا وقَدْ أُوقِدَتْ عَلَيْهِ نارٌ قالَ: فَوَضَعْتُهُ فِي ثُنَّتِهِ [٧] ثُمَّ تَحامَلْتُ عَلَيْهِ حَتّى بَلَغْتُ عانَتَهُ فَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ، وقَدْ أُصِيبَ الحارِثُ بْنُ أوْسِ بْنِ مُعاذٍ، فَجُرِحَ فِي رَأْسِهِ أوْ فِي رِجْلِهِ، أصابَهُ بَعْضُ أسْيافِنا. قالَ: فَخَرَجْنا حَتّى سَلَكْنا عَلى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، ثُمَّ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، ثُمَّ عَلى بُعاثٍ حَتّى أسْنَدْنا [١] فِي حَرَّةِ [٢] العَرِيضِ [٣]، وقَدْ أبْطَأ عَلَيْنا صاحِبُنا الحارِثُ بْنُ أوْسٍ، ونَزَفَهُ [٤] الدَّمُ، فَوَقَفْنا لَهُ ساعَةً، ثُمَّ أتانا يَتْبَعُ آثارَنا. قالَ: فاحْتَمَلْناهُ فَجِئْنا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم آخِرَ اللَّيْلِ، وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي، فَسَلَّمْنا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْنا، فَأخْبَرْناهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ، وتَفَلَ عَلى جُرْحِ صاحِبِنا، فَرَجَعَ ورَجَعْنا إلى أهْلِنا فَأصْبَحْنا وقَدْ خافَتْ يَهُودُ لِوَقْعَتِنا بِعَدُوِّ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِها يَهُودِيٌّ إلّا وهُوَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.56.
أمْرُ مُحَيِّصَةَ وحُوَيِّصَةَ

(لَوْمُ حُوَيِّصَةَ لِأخِيهِ مُحَيِّصَةَ لِقَتْلِهِ يَهُودِيًّا ثُمَّ إسْلامُهُ)، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَن ظَفَرْتُمْ بِهِ مِن رِجالِ يَهُودَ فاقْتُلُوهُ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: (مُحَيِّصَةُ) [١]، ويُقالُ: مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالِكِ بْنِ الأوْسِ- عَلى ابْنِ سُنَيْنَةَ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويُقالُ سُبَيْنَةُ [٢]- رَجُلٌ مِن تُجّارِ يَهُودَ، كانَ يُلابِسُهُمْ ويُبايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ وكانَ حُوَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إذْ ذاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وكانَ أسَنَّ مِن مُحَيِّصَةَ، فَلَمّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيِّصَةَ يَضْرِبُهُ، ويَقُولُ: أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أقَتَلْتَهُ، أما واَللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِن مالِهِ. قالَ مُحَيِّصَةُ، فَقُلْتُ: واَللَّهِ لَقَدْ أمَرَنِي بِقَتْلِهِ مَن لَو أمرنى يقتلك لَضَرَبْتُ عُنُقك، قالَ: فو الله إنْ كانَ لِأوَّلِ إسْلامِ حويّصة قالَ: آو للَّه لَوْ أمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي؟ قالَ: نَعَمْ، واَللَّهِ لَوْ أمَرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِكَ لَضَرَبْتُها! قالَ: واَللَّهِ إنّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذا لَعَجَبٌ، فَأسْلَمَ حُوَيِّصَةُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي هَذا الحَدِيثَ مَوْلًى لِبَنِي حارِثَةَ، عَنْ ابْنِهِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أبِيها مُحَيِّصَةَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.58.
(نُزُولُ الرَّسُولِ بِالشِّعْبِ وتَعْبِيَتُهُ لِلْقِتالِ):

قالَ: ومَضى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ، فِي عُدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ، وقالَ: لا يُقاتِلُنَّ أحَدٌ مِنكُمْ حَتّى نَأْمُرُهُ بِالقِتالِ. وقَدْ سَرَّحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ والكُراعَ [١] فِي زُرُوعٍ كانَتْ بِالصَّمْغَةِ [٢]، مِن قَناةِ لِلْمُسْلِمِينَ: فَقالَ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ حِينَ نَهى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ القِتالِ: أتُرْعى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ [٣] ولِما نُضارِبُ! وتُعَبّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلْقِتالِ، وهُوَ فِي سبع مائَة رَجُلٍ، وأمَّرَ عَلى الرُّماةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، أخا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وهُوَ مُعْلَمٌ يَوْمئِذٍ بِثِيابِ بِيضٍ، والرُّماةُ خَمْسُونَ رَجُلًا، فَقالَ: انْضَحْ [٤] الخَيْلَ عَنّا بِالنَّبْلِ، لا يَأْتُونا مِن خَلْفِنا، إنْ كانَتْ لَنا أوْ عَلَيْنا، فاثْبُتْ مَكانَكَ لا نُؤْتَيَنَّ مِن قِبَلِكِ. وظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ دِرْعَيْنِ [١]، ودَفَعَ اللِّواءَ إلى مُصْعَبِ ابْن عُمَيْرٍ، أخِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ. (مَن أجازَهُمْ الرَّسُولُ وهُمْ فِي الخامِسَةَ عَشْرَةَ): قالَ ابْنُ هِشامٍ: وأجازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمئِذٍ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الفَزارِيَّ، ورافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، أخا بَنِي حارِثَةَ، وهُما ابْنا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ قَدْ رَدَّهُما، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّ رافِعًا رامٍ، فَأجازَهُ، فَلَمّا أجازَ رافِعًا، قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنَّ سَمُرَةَ يَصْرَعُ رافِعًا، فَأجازَهُ. ورَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وزَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، أحَدَ بَنِي مالِكِ بْنِ النَّجّارِ، والبَراءَ بْنَ عازِبٍ، أحَدَ بَنِي حارِثَةَ، وعَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، أحَدَ بَنِي مالِكِ بْنِ النَّجّارِ، وأُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ، أحَدَ بَنِي حارِثَةَ، ثُمَّ أجازَهُمْ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وهُمْ أبْناءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وتَعَبَّأتْ قُرَيْشٌ، وهُمْ ثَلاثَةُ آلافِ رجل، ومَعَهُمْ مِائَتا فَرَسٍ قَدْ جَنَبُوها [٢]، فَجَعَلُوا عَلى مَيْمَنَةِ الخَيْلِ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، وعَلى مَيْسَرَتِها عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ. (أمْرُ أبِي دُجانَةَ): وقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَن يَأْخُذُ هَذا السَّيْفَ بِحَقِّهِ؟ فَقامَ إلَيْهِ رِجالٌ، فَأمْسَكَهُ عَنْهُمْ، حَتّى قامَ إلَيْهِ أبُو دُجانَةَ سِماكُ بْنُ خَرَشَةَ، أخُو بَنِي ساعِدَةَ، فَقالَ: وما حَقُّهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أن تشرب بِهِ العَدُوَّ حَتّى يَنْحَنِيَ، قالَ:

أنا آخُذُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ، فَأعْطاهُ إيّاهُ. وكانَ أبُو دُجانَةَ رَجُلًا شُجاعًا يَخْتالُ عِنْدَ الحَرْبِ، إذا كانَتْ، وكانَ إذا أعُلِمَ بِعِصابَةِ لَهُ حَمْراءَ، فاعتصب بها على لناس أنَّهُ سَيُقاتِلُ، فَلَمّا أخَذَ السَّيْفَ مِن يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أخْرَجَ عِصابَتَهُ تِلْكَ، فَعَصَبَ بِها رَأْسَهُ، وجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أسْلَمَ، مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، عَنْ رَجُلٍ مِن الأنْصارِ مِن بَنِي سَلِمَةَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حِينَ رَأى أبا دُجانَةَ يَتَبَخْتَرُ: إنّها لمشية يبغضها انه، إلّا فِي مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.67-65.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَجَعَلَ لا يَلْقى أحَدًا إلّا قَتَلَهُ. وكانَ فِي المُشْرِكِينَ رَجُلٌ لا يَدَعُ لَنا جَرِيحًا إلّا ذَفَّفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَدْنُو مِن صاحِبِهِ.

فَدَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُما، فالتَقَيا، فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ المُشْرِكُ أبا دُجانَةَ، فاتَّقاهُ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضَّتْ بِسَيْفِهِ، وضَرَبَهُ أبُو دُجانَةَ فَقَتَلَهُ ثُمَّ رَأيْتُهُ قَدْ حَمَلَ السَّيْفَ عَلى مَفْرِقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، ثُمَّ عَدَلَ السَّيْفَ عَنْها. قالَ الزَّبِيرُ فَقُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ أبُو دُجانَةَ سِماكُ بْنُ خَرَشَةَ: رَأيْتُ إنْسانًا يَخْمُشُ [٢] النّاسَ خَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ ولْوَلَ فَإذا امْرَأةٌ، فَأكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ أضْرِبَ بِهِ امْرَأةً. (مَقْتَلُ حَمْزَةَ): وقاتَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حَتّى قَتَلَ أرْطاةَ بْنَ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ، وكانَ أحَدَ النَّفَرِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ اللِّواءَ ثُمَّ مَرَّ بِهِ سِباعُ ابْن عَبْدِ العُزّى الغُبْشانِيُّ، وكانَ يُكَنّى بِأبِي نِيارٍ، فَقالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ إلَيَّ يا بن مُقَطِّعَةِ البُظُورِ- وكانَتْ أُمُّهُ أُمَّ أنْمارٍ مَوْلاةُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وهْبٍ الثَّقَفِيِّ. (قالَ ابْنُ هِشامٍ: شَرِيقُ بْنُ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ) [٣]. وكانَتْ خَتّانَةً بِمَكَّةَ- فَلَمّا التَقَيا ضَرَبَهُ حَمْزَةُ فَقَتَلَهُ. قالَ وحْشِيٌّ، غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: واَللَّهِ إنِّي لَأنْظُرُ إلى حَمْزَةَ يَهُدُّ [٤] النّاسَ بِسَيْفِهِ ما يُلِيقُ [١] بِهِ شَيْئًا، مِثْلَ الجَمَلِ الأوْرَقِ [٢] إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِباعُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، فَقالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ إلَيَّ يا بن مُقَطِّعَةِ البُظُورِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً، فَكَأنَّ ما أخْطَأ رَأْسَهُ [٣]، وهَزَزْتُ حَرْبَتِي حَتّى إذا رَضِيتُ مِنها دَفَعْتُها عَلَيْهِ، فَوَقَعَتْ فِي ثُنَّتِهِ [٤] حَتّى خَرَجَتْ مِن بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَأقْبَلَ نَحْوِي، فَغُلِبَ فَوَقَعَ، وأمْهَلْتُهُ حَتّى إذا ماتَ جِئْتُ فَأخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ تَنَحَّيْتُ إلى العَسْكَرِ، ولَمْ تَكُنْ لِي بِشَيْءِ حاجَةٌ غَيْرَهُ. (وحْشِيٌّ يُحَدِّثُ الضَّمْرِيَّ وابْنَ الخِيارِ عَنْ قَتْلِهِ حَمْزَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ [٥] بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ الضَّمْرِيَّ قالَ: خُرِجْتُ أنا وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، أخُو بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فِي زَمانِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، فَأدْرَبْنا مَعَ النّاسِ [٦]، فَلَمّا قَفَلْنا مَرَرْنا بِحِمْصَ- وكانَ وحْشِيٌّ، مَوْلى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَدْ سَكَنَها، وأقامَ بِها- فَلَمّا قَدِمْناها، قالَ لِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ: هَلْ لَكَ فِي أنْ نَأْتِيَ وحْشِيًّا فَنَسْألَهُ عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ كَيْفَ قَتَلَهُ؟

قالَ: قُلْتُ لَهُ: إنْ شِئْتَ. فَخَرَجْنا نَسْألُ عَنْهُ بِحِمْصَ، فَقالَ لَنا رَجُلٌ، ونَحْنُ نَسْألُ عَنْهُ: إنّكُما سَتَجِدانِهِ بِفِناءِ دارِهِ، وهُوَ رَجُلٌ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الخَمْرُ، فَإنْ تَجِداهُ صاحِيًا تَجِدا رَجُلًا عَرَبِيًّا، وتَجِدا عِنْدَهُ بَعْضَ ما تُرِيدانِ، وتُصِيبا عِنْدَهُ ما شِئْتُما مِن حَدِيثٍ تَسْألانِهِ عَنْهُ، وإنْ تَجِداهُ وبَهْ بَعْضُ ما يَكُونُ بِهِ، فانْصَرَفا عَنْهُ ودَعاهُ، قالَ: فَخَرَجْنا نَمْشِي حَتّى جِئْناهُ، فَإذا هُوَ بِفِناءِ دارِهِ عَلى طَنْفَسَةٍ لَهُ [١]، فَإذا شَيْخٌ كَبِيرٌ مِثْلُ البُغاثِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.70-69.
(حَدِيثُ الزُّبَيْرِ عَنْ سَبَبِ الهَزِيمَةِ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلى المُسْلِمِينَ وصَدَقَهُمْ وعْدَهُ، فَحَسُّوهُمْ بِالسُّيُوفِ [٦] حَتّى كَشَفُوهُمْ عَنْ العَسْكَرِ، وكانَتْ الهَزِيمَةُ لا شَكَّ فِيها.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.77.
(شِعْرُ حَسّانَ فِي عَمْرَةِ الحارِثِيَّةِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فِي شَأْنِ عَمْرَةَ بِنْتِ عَلْقَمَةَ الحارِثِيَّةِ ورَفْعِها اللِّواءِ: إذا عَضَلٌ سِيقَتْ إلَيْنا كَأنَّها … جِدايَةُ شِرْكٍ مُعْلِماتِ الحَواجِبِ [١] أقَمْنا لَهُمْ طَعْنًا مُبِيرًا مُنَكِّلًا … وحُزْناهُمْ بِالضَّرْبِ مِن كُلِّ جانِبِ [٢] فَلَوْلا لِواءُ الحارِثِيَّةِ أصْبَحُوا … يُباعُونَ فِي الأسْواقِ بَيْعَ الجَلائِبِ [٣] قالَ ابْنُ هِشامٍ: وهَذِهِ الأبْياتُ فِي أبْياتٍ لَهُ. (ما لَقِيَهُ الرَّسُولُ يَوْمَ أُحُدٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَأصابَ فِيهِمْ العَدُوَّ، وكانَ يَوْمَ بَلاءٍ وتَمْحِيصٍ، أكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَن أكْرَمَ مِن المُسْلِمِينَ بِالشَّهادَةِ، حَتّى خَلَصَ العَدُوُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَدُثَّ [٤] بِالحِجارَةِ حَتّى وقَعَ لِشِقِّهِ [٥]، فَأُصِيبَتْ رَباعِيَتُهُ، وشُجَّ [٦] فِي وجْهِهِ، وكُلِمَتْ [٧] شَفَتُهُ، وكانَ الَّذِي أصابَهُ عُتْبَةُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.79.
(مَقْتَلُ اليَمانِ وابْنِ وقْشٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ كانَ النّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتّى انْتَهى بَعْضُهُمْ إلى المُنَقّى، دُونَ الأعْوَصِ [١]. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى أُحُدٍ، رَفَعَ حُسَيْلُ بْنُ جابِرٍ، وهُوَ اليَمانُ [٢] أبُو حُذَيْفَةَ [٣] بْنُ اليَمانِ، وثابِتُ بْنُ وقْشٍ فِي الآطامِ مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ، وهُما شَيْخانِ كَبِيرانِ: ما أبا لَكَ، ما تنْتَظر؟ فو الله لا بَقِيَ لِواحِدِ مِنّا مِن عُمْرِهِ إلّا ظِمْءُ [٤] حِمارٍ، إنّما نَحْنُ هامَةُ [٥] اليَوْمِ أوْ غَدٍ، أفَلا نَأْخُذُ أسْيافَنا، ثُمَّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنا شَهادَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَأخَذا أسْيافَهُما ثُمَّ خَرَجا، حَتّى دَخَلا فِي النّاسِ، ولَمْ يُعْلَمْ بِهِما، فَأمّا ثابِتُ بْنُ وقْشٍ فَقَتَلَهُ المُشْرِكُونَ، وأمّا حُسَيْلُ بْنُ جابِرٍ، فاخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أسْيافُ المُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُ ولا يَعْرِفُونَهُ [٦]، فَقالَ حُذَيْفَةُ: أبِي [٧]، فَقالُوا: واَللَّهِ إنْ عَرَفْناهُ، وصَدَقُوا. قالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يَدِيَهُ، فَتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَزادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرًا. (مَقْتَلُ حاطِبٍ ومَقالَةُ أبِيهِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ: أنَّ رَجُلًا مِنهُمْ كانَ يُدْعى حاطِبَ بْنَ أُمِّيَّةَ بْنِ رافِعٍ، وكانَ لَهُ ابْنٌ يُقالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ حاطِبٍ، أصابَتْهُ جِراحَةٌ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُتِيَ بِهِ إلى دارِ قَوْمِهِ وهُوَ بِالمَوْتِ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ أهْلُ الدّارِ، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لَهُ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ: أبْشِرْ يا بن حاطِبٍ بِالجَنَّةِ، قالَ: وكانَ حاطِبٌ شَيْخًا قَدْ عَسا فِي الجاهِلِيَّةِ، فَنَجَمَ يَوْمئِذٍ نِفاقُهُ، فَقالَ: بِأيِّ شَيْءٍ تُبَشِّرُونَهُ؟ بِجَنَّةٍ مِن حَرْمَلٍ [١] ! غَرَرْتُمْ واَللَّهِ هَذا الغُلامَ مِن نَفْسِهِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.88-87.
(مَقْتَلُ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي أبِي إسْحاقُ بْنُ يَسارٍ، عَنْ أشْياخٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ: أنَّ عَمْرَو بْنَ الجَمُوحِ كانَ رَجُلًا أعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وكانَ لَهُ بَنُونَ أرْبَعَةٌ مِثْلَ الأُسْدِ، يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَشاهِدَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ أرادُوا حَبْسَهُ، وقالُوا لَهُ: إنّ اللَّهَ ﷿: قَدْ عَذَرَكَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: إنّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ أنْ يَحْبِسُونِي عَنْ هَذا الوَجْهِ، والخُرُوجِ مَعَك فِيهِ، فو الله إنِّي لَأرْجُو أنْ أطَأ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الجَنَّةِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أمّا أنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ فَلا جِهادَ عَلَيْكَ، وقالَ لِبَنِيهِ: ما عَلَيْكُمْ أنْ لا تَمْنَعُوهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَهُ الشَّهادَةَ فَخَرَجَ مَعَهُ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ [١]. (هِنْدُ وتَمْثِيلُها بِحَمْزَةِ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ووَقَعَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، كَما حَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ كَيْسانَ، والنِّسْوَةُ اللّاتِي مَعَها، يُمَثِّلْنَ بِالقَتْلى مِن أصْحابِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، يجدّ عَن [٢] الآذانَ والأُنُفَ، حَتّى اتَّخَذَتْ هِنْدُ مِن آذانِ الرِّجالِ وآنُفِهِمْ خَدَمًا [٣] وقَلائِدَ، وأعْطَتْ خَدَمَها وقَلائِدَها وقِرَطَتَها وحْشِيًّا، غُلامَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وبَقَرَتْ [٤] عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ، فَلاكَتْها [٥]، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تُسِيغَها [٦]، فَلَفَظَتْها [٧]، ثُمَّ عَلَتْ عَلى صَخْرَةٍ مُشْرِفَةٍ، فَصَرَخَتْ بِأعْلى صَوْتِها فَقالَتْ: نَحْنُ جَزَيْناكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ … والحَرْبُ بَعْدَ الحَرْبِ ذاتِ سُعْرِ [٨] ما كانَ عَنْ عُتْبَةَ لِي مِن صَبْرِ … ولا أخِي وعَمِّهِ وبَكْرِي شَفَيْتُ نَفْسِي وقَضَيْتُ نَذْرِي … شَفَيْتَ وحْشِيُّ غَلِيلَ صَدْرِي [٩] فَشُكْرُ وحْشِيٍّ عَلَيَّ عُمْرِي … حَتّى تَرُمَّ أعْظُمِي فِي قَبْرِي [١٠] (شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثاثَةَ فِي الرَّدِّ عَلى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ): فَأجابَتْها هِنْدُ بِنْتُ أُثاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ المُطَّلِبِ، فَقالَتْ: خَزِيتُ فِي بَدْرٍ وبَعْدَ بدر … يا بت وقّاعٍ عَظِيمِ الكُفْرِ [١١] صَبَّحَكَ اللَّهُ غَداةَ الفَجْرِ … مَلْهاشِمَيَّيْنِ الطِّوالِ الزُّهْرِ [١] بِكُلِّ قَطّاعٍ حُسامٍ يَفْرِي … حَمْزَةُ لَيْثِي وعَلِيٌّ صَقْرِي [٢] إذْ رامَ شَيْبٌ وأبُوكَ غَدْرِي … فَخَضَّبا مِنهُ ضَواحِي النَّحْرِ [٣] ونَذْرُكَ السُّوءَ فَشَرُّ نَذْرِ قالَ ابْنُ هِشامٍ: تَرَكْنا مِنها ثَلاثَةَ أبْياتٍ أقْذَعَتْ فِيها. (شِعْرُ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ أيْضًا): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ أيْضًا: شَفَيْتُ مِن حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدْ … حَتّى بَقَرْتُ بَطْنَهُ عَنِ الكَبِدْ أذْهَبَ عَنِّي ذاكَ ما كُنْتُ أجِدْ … مِن لَذْعَةِ الحُزْنِ الشَّدِيدِ المُعْتَمِدْ [٤] والحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشَؤْبُوبِ بَرِدْ … تُقْدِمُ إقْدامًا عَلَيْكُمْ كالأسَدْ [٥] (تَحْرِيضُ عُمَرَ لِحَسّانَ عَلى هَجْوِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي صالِحُ بْنُ كَيْسانَ أنَّهُ حُدِّثَ: أنَّ عُمْرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: يا بن الفُرَيْعَةِ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: الفُرَيْعَةُ بِنْتُ خالِدِ بْنِ خُنَيْسٍ، ويُقالُ: خُنَيْسٌ: ابْنُ حارِثَةَ بْنِ لَوْذانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الخَزْرَجِ بْنِ ساعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الخَزْرَجِ- لَوْ سَمِعْتَ ما تَقُولُ هِنْدُ، ورَأيْتُ أشْرَها [٦] قائِمَةً عَلى صَخْرَةٍ تَرْتَجِزُ بِنا، وتَذْكُرُ ما صَنَعَتْ بِحَمْزَةِ؟ قالَ لَهُ حَسّانُ: واَللَّهِ إنِّي لَأنْظُرُ إلى الحَرْبَةِ تَهْوِي وأنا عَلى رَأْسِ فارِعٍ- يَعْنِي أُطُمَهُ- فَقُلْتُ: واَللَّهِ إنّ هَذِهِ لَسِلاحٌ ما هِيَ بِسِلاحِ العَرَبِ، وكَأنَّها إنّما تهوى إلى جمزة ولا أدْرِي، لَكِنْ أسْمِعْنِي بَعْضَ قَوْلِها أكْفِكُمُوها، قالَ: فَأنْشَدَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بَعْضَ ما قالَتْ، فَقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: أشْرَتْ لَكاعُ وكانَ عادَتُها … لُؤْمًا إذا أشْرَتْ مَعَ الكُفْرِ [١] قالَ ابْنُ هِشامٍ: وهَذا البَيْتُ فِي أبْياتٍ لَهُ تَرَكْناها، وأبْياتًا أيْضًا لَهُ عَلى الدّالِ. وأبْياتًا أُخَرَ عَلى الذّالِ، لِأنَّهُ أقْذَعَ فِيها. (اسْتِنْكارُ الحُلَيْسِ عَلى أبِي سُفْيانَ تَمْثِيلَهُ بِحَمْزَةِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ كانَ الحُلَيْسُ بْنُ زَبّانٍ، أخُو بَنُو الحارِثِ بْنِ عَبْدِ مَناةَ، وهُوَ يَوْمئِذٍ سَيِّدُ الأُبَيْشِ، قَدْ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ، وهُوَ يَضْرِبُ فِي شَدْقِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِزُجِّ الرُّمْحِ ويَقُولُ: ذُقْ [٢] عُقَقُ، فَقالَ الحُلَيْسُ: يا بَنِي كِنانَةَ، هَذا سَيِّدُ قُرَيْشٍ يَصْنَعُ بِابْنِ عَمِّهِ ما تَرَوْنَ لَحْمًا [٣] ؟ فَقالَ: ويْحَكَ! اُكْتُمْها عَنِّي، فَإنَّها كانَتْ زَلَّةً.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.93-91.
قالَ: وحَدَّثَنِي عَمِّي مُوسى بْنُ يَسارٍ، أنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ أبُو القاسِمِ صلى الله عليه وسلم: ما مِن جَرِيحٍ يُجْرَحُ فِي اللَّهِ إلّا واَللَّهُ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيامَةِ وجُرْحُهُ يَدْمى، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي أبِي إسْحاقُ بْنُ يَسارٍ، عَنْ أشْياخٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ يَوْمَئِذٍ، حِينَ أمَرَ بِدَفْنِ القَتْلى: اُنْظُرُوا إلى عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ، فَإنَّهُما كانا مُتَصافِيَيْنِ فِي الدُّنْيا، فاجْعَلُوهُما فِي قَبْرٍ واحِدٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.98.
(غَسْلُ السُّيُوفِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَلَمّا انْتَهى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى أهْلِهِ ناوَلَ سَيْفَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ، فَقالَ: اغْسِلِي عَنْ هَذا دَمَهُ يا بنيّة، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ، وناوَلَها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ سَيْفَهُ، فَقالَ: وهَذا أيْضًا، فاغْسِلِي عَنهُ دَمه، فو الله لَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَئِنْ كُنْتُ صَدَقْتَ القِتالَ لَقَدْ صَدَقَ مَعَكَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وأبُو دُجانَةَ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وكانَ يُقالُ لِسَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

ذُو الفَقارِ [٥].
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.100.
(كانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ مِحْنَةٍ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ وتَمْحِيصٍ، اخْتَبَرَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ، ومَحَنَ بِهِ المُنافِقِينَ، مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ الإيمانَ بِلِسانِهِ، وهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالكُفْرِ فِي قَلْبِهِ، ويَوْمًا أكْرَمَ اللَّهُ فِيهِ مَن أرادَ كَرامَتَهُ بِالشَّهادَةِ مِن أهْلِ وِلايَتِهِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.105.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: «وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ٣: ١٢٢»:

أيْ مَن كانَ بِهِ ضَعْفٌ مِن المُؤْمِنِينَ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَيَّ، ولْيَسْتَعِنْ بِي، أُعِنْهُ عَلى أمْرِهِ، وأُدافِعْ عَنْهُ، حَتّى أبْلُغَ بِهِ، وأدْفَعَ عَنْهُ، وأُقَوِّيَهُ عَلى نِيَّتِهِ. «ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ، فاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» ٣: ١٢٣: أيْ فاتَّقُونِي، فَإنَّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي. «ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ» ٣: ١٢٣ وأنْتُمْ أقَلُّ عَدَدًا وأضْعَفُ قُوَّةً «إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ أنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ» ٣: ١٢٤- ١٢٥: أيْ إنْ تَصْبِرُوا لِعَدُوِّي، وتُطِيعُوا أمْرِي، ويَأْتُوكُمْ مِن وجْهِهِمْ هَذا، أُمِدُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. (تَفْسِيرُ ابْنِ هِشامٍ لِبَعْضِ الغَرِيبِ): قالَ ابْنُ هِشامٍ: مُسَوِّمِينَ: مُعْلَمِينَ. بَلَغَنا عَنْ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: أعْلَمُوا عَلى أذْنابِ خَيْلِهِمْ ونَواصِيها بِصُوفِ أبْيَضَ. فَأمّا ابْنُ إسْحاقَ فَقالَ: كانَتْ سِيماهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ عَمائِمَ بِيضًا. وقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَدْرٍ. والسِّيما: العَلامَةُ. وفِي كِتابِ اللَّهِ ﷿: «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ» ٤٨: ٢٩: أيْ عَلامَتُهُمْ. و«حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ. مُسَوَّمَةً» ١١: ٨٢- ٨٣ يَقُولُ: مُعْلَمَةً. بَلَغَنا عَنْ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلَيْها عَلامَةٌ، أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُّنْيا، وأنَّها مِن حِجارَةِ العَذابِ. قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: فالآنَ تُبْلى بِي الجِيادُ السَّهَمُ … ولا تُجارِينِي إذا ما سَوَّمُوا [١] وشَخَصَتْ أبْصارُهُمْ وأجْذَمُوا (أجْذَمُوا «بِالذّالِ المُعْجَمَةِ»: أيْ أسْرَعُوا، وأجْدَمُوا «بِالدّالِ المُهْمَلَةِ»: أقْطَعُوا) [٢]. وهَذِهِ الأبْياتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. والمُسَوَّمَةُ (أيْضًا): المَرْعِيَّةُ. وفِي كِتابِ اللَّهِ تَعالى: «والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ» ٣: ١٤ و«شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ» ١٦: ١٠. تَقُولُ العَرَبُ: سَوَّمَ خَيْلَهُ وإبِلَهُ، وأسامَها: إذا رَعاها. قالَ الكُمَيْت من زَيْدٍ: راعِيًا كانَ مُسْجِحًا فَفَقَدْناهُ … وفَقْدُ المُسِيمِ هُلْكُ السَّوامِ

قالَ ابْنُ هِشامٍ: مُسْجِحًا: سَلِسُ السِّياسَةِ مُحْسِنٌ (إلى الغَنَمِ) [٢]. وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. «وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى لَكُمْ، ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ» ٣: ١٢٦: أيْ ما سَمَّيْتُ لَكُمْ مَن سَمَّيْتُ مِن جُنُودِ مَلائِكَتِي إلّا بُشْرى لَكُمْ، ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، لِما أعْرِفُ مِن ضَعْفِكُمْ، وما النَّصْرُ إلّا مِن عِنْدِي، لِسُلْطانِي وقُدْرَتِي، وذَلِكَ أنَّ العِزَّ والحُكْمَ إلَيَّ، لا إلى أحَدٍ مِن خَلْقِي. ثُمَّ قالَ: «لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ» ٣: ١٢٧: أيْ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِن المُشْرِكِينَ بِقَتْلٍ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنهُمْ، أوْ يَرُدَّهُمْ خائِبِينَ: أيْ ويَرْجِعُ مَن بَقِيَ مِنهُمْ فَلًّا خائِبِينَ، لَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِمّا كانُوا يَأْمُلُونَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.107-106.
(ذِكْرُ شَجاعَةِ المُجاهِدِينَ مِن قَبْلُ مَعَ الأنْبِياءِ):

ثُمَّ قالَ: «وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا، والله يُحِبُّ الصّابِرِينَ» ٣: ١٤٦:

أيْ وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ أصابَهُ القَتْلُ، ومَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ: أيْ جَماعَةٌ، فَما وهَنُوا لِفَقْدِ نَبِيِّهِمْ، وما ضَعُفُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وما اسْتَكانُوا لِما أصابَهُمْ فِي الجِهادِ عَنْ اللَّهِ تَعالى وعَنْ دِينِهِمْ، وذَلِكَ الصَّبْرُ، واَللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ «وما كانَ قَوْلَهُمْ إلّا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، وإسْرافَنا فِي أمْرِنا، وثَبِّتْ أقْدامَنا، وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ» ٣: ١٤٧.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.112.
(ذِكْرُ ما أصابَهُمْ وتَعْزِيَتُهُمْ عَنْهُ):

ثُمَّ اسْتَقْبَلَ ذِكْرَ المُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ، والبَلاءَ الَّذِي أصابَهُمْ، والتَّمْحِيصَ لِما كانَ فِيهِمْ، واِتِّخاذَهُ الشُّهَداءَ مِنهُمْ، فَقالَ: تَعْزِيَةً لَهُمْ، وتَعْرِيفًا لَهُمْ فِيما صَنَعُوا، وفِيما هُوَ صانِعٌ بِهِمْ. «قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ» ٣: ١٣٧: أيْ قَدْ مَضَتْ مِنِّي وقائِعُ نِقْمَةٍ فِي أهْلِ التَّكْذِيبِ لِرُسُلِي والشِّرْكِ بِي: عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ مَدْيَنَ، فَرَأوْا مَثُلاتٍ قَدْ مَضَتْ مِنِّي فِيهِمْ، ولِمَن هُوَ عَلى مِثْلِ ما هُمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ مِنِّي، فَإنِّي أمْلَيْتُ لَهُمْ: أيْ لِئَلّا يَظُنُّوا أنَّ نِقْمَتِي انْقَطَعَتْ عَنْ عَدُوِّكُمْ وعَدُوِّي، لِلدَّوْلَةِ الَّتِي أدْلَتْهُمْ بِها عَلَيْكُمْ، لِيَبْتَلِيَكُمْ بِذَلِكَ، لِيُعَلِّمَكُمْ ما عِنْدَكُمْ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: «هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ» ٣: ١٣٨: أيْ هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوا الهُدى «وهُدىً ومَوْعِظَةٌ» ٣: ١٣٨: أيْ نُورٌ وأدَبٌ «لِلْمُتَّقِينَ» ٣: ١٣٨ أيْ لِمَن أطاعَنِي وعَرَفَ أمْرِي. «ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا» ٣: ١٣٩: أيْ لا تَضْعُفُوا ولا تَبْتَئِسُوا عَلى ما أصابَكُمْ، «وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ» ٣: ١٣٩: أيْ لَكُمْ تَكُونُ العاقِبَةُ والظُّهُورُ «إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» ٣: ١٣٩: أيْ إنْ كُنْتُم صدّقتم نَبِي بِما بِما جاءَكُمْ بِهِ عَنِّي. «إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ» ٣: ١٤٠: أيْ جِراحُ [١] مِثْلُها، «وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ» ٣: ١٤٠: أيْ نُصَرِّفُها بَيْنَ النّاسِ لِلْبَلاءِ والتَّمْحِيصِ «ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ويَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَداءَ، والله لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ» ٣: ١٤٠: أيْ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ولِيُكْرِمَ مَن أكْرَمَ مِن أهْلِ الإيمانِ بِالشَّهادَةِ «والله لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ» ٣: ١٤٠: أيْ المُنافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ بِألْسِنَتِهِمْ الطّاعَةَ وقُلُوبُهُمْ مُصِرَّةٌ عَلى المَعْصِيَةِ «ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» ٣: ١٤١: أيْ يَخْتَبِرَ الَّذِينَ آمَنُوا حَتّى يُخَلِّصَهُمْ بِالبَلاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، وكَيْفَ صَبْرُهُمْ ويَقِينُهُمْ «ويَمْحَقَ الكافِرِينَ» ٣: ١٤١: أيْ يُبْطِلَ مِن المُنافِقِينَ قَوْلَهُمْ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، حَتّى يَظْهَرَ مِنهُمْ كُفْرُهُمْ الَّذِي يَسْتَتِرُونَ بِهِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.110.
(دَعْوَةُ الجَنَّةِ لِلْمُجاهِدِينَ):

ثُمَّ قالَ تَعالى: «أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ» ٣: ١٤٢: أيْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ، فَتُصِيبُوا مِن ثَوابِي الكَرامَةَ، ولَمْ أخْتَبِرْكُمْ بِالشِّدَّةِ، وأبْتَلِيَكُمْ بِالمَكارِهِ، حَتّى أعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنكُمْ بِالإيمانِ بِي، والصَّبْرَ عَلى ما أصابَكُمْ فِيَّ، ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الشَّهادَةَ عَلى الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن الحَقِّ قَبْلَ أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، يَعْنِي الَّذِينَ اسْتَنْهَضُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى خُرُوجِهِ بِهِمْ إلى عَدُوِّهِمْ، لِما فاتهم من حضورا اليَوْمِ الَّذِي كانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ، ورَغْبَةً فِي الشَّهادَةِ الَّتِي فاتَتْهُمْ بِها، فَقالَ: «ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ» ٣: ١٤٣ يَقُولُ: «فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ» ٣: ١٤٣: أيْ المَوْتُ بِالسُّيُوفِ فِي أيْدِي الرِّجالِ قَدْ خُلِّيَ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُمْ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ صَدَّهُمْ عَنْكُمْ. «وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ، أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ، ومن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا، وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ» ٣: ١٤٤: أيْ لِقَوْلِ النّاسِ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، وانْهِزامُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ، وانْصِرافُهُمْ عَنْ عَدُوِّهِمْ «أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ» ٣: ١٤٤ رَجَعْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ كُفّارًا كَما كُنْتُمْ، وتَرَكْتُمْ جِهادَ عَدُوِّكُمْ، وكِتابَ اللَّهِ. وما خَلَّفَ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم مِن دِينِهِ مَعَكُمْ وعِنْدَكُمْ، وقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِيما جاءَكُمْ بِهِ عَنِّي أنَّهُ مَيِّتٌ ومُفارِقُكُمْ، «ومن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ» ٣: ١٤٤: أيْ يَرْجِعُ عَنْ دِينِهِ «فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا» ٣: ١٤٤: أيْ لَيْسَ يُنْقِصُ ذَلِكَ عِزَّ اللَّهِ تَعالى ولا مُلْكَهُ ولا سُلْطانَهُ ولا قُدْرَتَهُ، «وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ» ٣: ١٤٤:

أيْ مَن أطاعَهُ وعَمِلَ بِأمْرِهِ [١].
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.111-110.
قالَ ابْنُ هِشامٍ: الحَسُّ: الِاسْتِئْصالُ: يُقالُ: حَسَسْتُ الشَّيْءَ: أيْ اسْتَأْصَلْتُهُ بِالسَّيْفِ وغَيْرِهِ. قالَ جَرِيرٌ:

تَحُسُّهُمْ السُّيُوفُ كَما تَسامى … حَرِيقُ النّارِ فِي الأجَمِ الحَصِيدِ [١] وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسا … تَأْكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ اليَبِيسا وهَذانِ البَيْتانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ٣: ١٥٢»: أيْ تَخاذَلْتُمْ «وتَنازَعْتُمْ فِي الأمْرِ ٣: ١٥٢» أيْ اخْتَلَفْتُمْ فِي أمْرِي، أيْ تَرَكْتُمْ أمْرَ نَبِيِّكُمْ وما عَهِدَ إلَيْكُمْ، يَعْنِي الرُّماةَ «وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكُمْ ما تُحِبُّونَ ٣: ١٥٢»: أيْ الفَتْحُ، لا شَكَّ فِيهِ، وهَزِيمَةُ القَوْمِ عَنْ نِسائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، «مِنكُمْ مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ٣: ١٥٢»: أيْ الَّذِينَ أرادُوا النَّهْبَ فِي الدُّنْيا وتَرْكَ ما أُمِرُوا بِهِ مِن الطّاعَةِ الَّتِي عَلَيْها ثَوابُ الآخِرَةِ «ومِنكُمْ مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ٣: ١٥٢»: أيْ الَّذِينَ جاهَدُوا فِي اللَّهِ، ولَمْ يُخالِفُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ، لِعَرَضٍ مِن الدُّنْيا، رَغْبَةً فِيها، رَجاءَ ما عِنْدِ اللَّهِ مِن حُسْنِ ثَوابِهِ فِي الآخِرَةِ، أيْ الَّذِينَ جاهَدُوا فِي الدِّينِ ولَمْ يُخالِفُوا إلى ما نُهُوا عَنْهُ، لِعَرَضِ مِن الدُّنْيا، لِيَخْتَبِرَكُمْ، وذَلِكَ بِبَعْضِ ذُنُوبِكُمْ، ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْ عَظِيمِ ذَلِكَ، أنْ لا يُهْلِكَكُمْ بِما أتَيْتُمْ مِن مَعْصِيَةِ نَبِيِّكُمْ، ولَكِنِّي عُدْتُ بِفَضْلِي عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ «مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ ٣: ١٦٤» أنْ عاقَبَ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ فِي عاجِلِ الدُّنْيا أدَبًا ومَوْعِظَةً، فَإنَّهُ غَيْرُ مُسْتَأْصِلٍ لِكُلِّ ما فِيهِمْ مِن الحَقِّ لَهُ عَلَيْهِمْ، بِما أصابُوا مِن مَعْصِيَتِهِ، رَحْمَةً لَهُمْ، وعائِدَةً عَلَيْهِمْ، لِما فِيهِمْ مِن الإيمانِ. (تَأْنِيبُهُ إيّاهُمْ لِفِرارِهِمْ عَنْ نَبِيّهم):

ثمَّ أنبّههم بِالفِرارِ عَنْ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم، وهُمْ يُدْعَوْنَ لا يَعْطِفُونَ عَلَيْهِ لِدُعائِهِ إيّاهُمْ، فَقالَ: «إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ، والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ، فَأثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ولا ما أصابَكُمْ ٣: ١٥٣»: أيْ كَرْبًا بَعْدَ كَرْبٍ، بِقَتْلِ مَن قُتِلَ مِن إخْوانِكُمْ، وعُلُوِّ عَدُوِّكُمْ عَلَيْكُمْ، وبِما وقَعَ فِي أنْفُسِكُمْ مِن قَوْلِ مَن قالَ: قُتِلَ نَبِيُّكُمْ، فَكانَ ذَلِكَ مِمّا تَتابَعَ عَلَيْكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ، لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ، مِن ظُهُورِكُمْ عَلى عَدُوِّكُمْ، بَعْدَ أنْ رَأيْتُمُوهُ بِأعْيُنِكُمْ، ولا ما أصابَكُمْ مِن قَتْلِ إخْوانِكُمْ، حَتّى فَرَّجْتُ ذَلِكَ الكَرْبَ عَنْكُمْ «والله خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» ٣: ١٥٣.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.114.
(ذِكْرُهُ رَحْمَةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ):

ثُمَّ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ» ٣: ١٥٩: أيْ لَتَرَكُوكَ «فاعْفُ عَنْهُمْ» ٣: ١٥٩: أيْ فَتَجاوَزْ عَنْهُمْ «واسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ، فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ» ٣: ١٥٩ فَذَكَرَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لِينَهُ لَهُمْ، وصَبْرَهُ عَلَيْهِمْ، لِضَعْفِهِمْ، وقِلَّةِ صَبْرِهِمْ عَلى الغِلْظَةِ لَوْ كانَتْ مِنهُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ ما خالَفُوا عَنْهُ مِمّا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن طاعَةِ نَبِيِّهِمْ صلى الله عليه وسلم.

ثُمَّ قالَ تَبارَكَ وتَعالى: «فاعْفُ عَنْهُمْ ٣: ١٥٩»: أيْ تَجاوَزْ عَنْهُمْ، «واسْتَغْفِرْ لَهُمْ ٣: ١٥٩» ذُنُوبَهُمْ، مَن قارَفَ [١] مِن أهْلِ الإيمانِ مِنهُمْ وشاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ ٣: ١٥٩: أيْ لِتُرِيهِمْ أنَّكَ تَسْمَعُ مِنهُمْ، وتَسْتَعِينُ بِهِمْ، وإنْ كُنْتُ غَنِيًّا عَنْهُمْ، تَألُّفًا لَهُمْ بِذَلِكَ عَلى دِينِهِمْ فَإذا عَزَمْتَ ٣: ١٥٩: أيْ عَلى أمْرٍ جاءَكَ مِنِّي وأمْرٍ مِن دِينِكَ فِي جِهادِ عَدُوِّكَ لا يُصْلِحُكَ ولا يُصْلِحُهُمْ إلّا ذَلِكَ، فامْضِ عَلى ما أُمِرْتَ بِهِ، عَلى خِلافِ مَن خالَفَكَ، ومُوافَقَةِ من وافَقَك، فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ ٣: ١٥٩، أيْ ارْضَ بِهِ مِن العِبادِ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ. إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ، وإنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِن بَعْدِهِ ٣: ١٥٩- ١٦٠: أيْ لِئَلّا تَتْرُكَ أمْرِي لِلنّاسِ، وارْفُضْ أمْرَ النّاسِ إلى أمْرِي، وعَلى اللَّهِ لا عَلى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.117-116.
(مَصِيرُ قَتْلى أُحُدٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي إسْماعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهُمْ فِي أجْوافِ طَيْرِ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، فِي ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ ومَأْكَلِهِمْ، وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ بِنا، لِئَلّا يَزْهَدُوا فِي الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا [١] عَنْ [٢] الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: فَأنا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم هَؤُلاءِ الآياتِ: ولا تَحْسَبَنَّ ٣: ١٦٩ …». قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي الحارِثُ بْنُ الفَضِيلِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ الأنْصارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْراءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِن الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي مَن لا أتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَؤُلاءِ الآياتِ: ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ٣: ١٦٩ فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْها فَقِيلَ لَنا: إنّهُ لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهُمْ فِي أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ فِي ظِلِّ العَرْشِ، فَيَطَّلِعُ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ اطِّلاعَةً فَيَقُولُ: يا عِبادِي، ما تَشْتَهُونَ فَأزِيدَكُمْ؟ قالَ: فَيَقُولُونَ رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتنا، الجَنَّةُ [١] نَأْكُلُ مِنها حَيْثُ شِئْنا! قالَ: ثُمَّ يَطَّلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ اطِّلاعَةً، فَيَقُولُ: يا عِبادِي، ما تَشْتَهُونَ، فَأزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتنا، الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنها حَيْثُ شِئْنا! قالَ: ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ اطِّلاعَةً، فَيَقُولُ:

يا عِبادِي، ما تَشْتَهُونَ فَأزِيدَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتنا، الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنها حَيْثُ شِئْنا. إلّا أنّا نُحِبُّ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا فِي أجْسادِنا، ثُمَّ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا، فَنُقاتِلُ فِيكَ، حَتّى نُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.120-119.
(عَدَدُ قَتْلى المُشْرِكِينَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَجَمِيعُ مَن قَتَلَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَوْمَ أُحُدٍ مِن المُشْرِكِينَ، اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.129.
ذِكْرُ ما قِيلَ مِن الشِّعْرِ يَوْمَ أُحُدٍ

(شِعْرُ هُبَيْرَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مِمّا قِيلَ مِن الشِّعْرِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، قَوْلُ هُبَيْرَةَ بْنِ أبِي وهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرانَ بْنِ مَخْزُومٍ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: عائِذٌ: ابْنُ عِمْرانَ بْنُ مَخْزُومٍ: ما بالُ هَمٍّ عَمِيدٍ باتَ يَطْرُقنِي … بِالوُدِّ مِن هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوادِيها [١] باتَتْ تُعاتِبنِي هِنْدٌ وتَعْذُلُنِي … والحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنِّي مَوالِيها مَهْلًا فَلا تَعْذُلِينِي إنّ مِن خُلُقِي … ما قَدْ عَلِمْتِ وما إنْ لَسْتُ أُخْفِيها مُساعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِما كَلِفُوا … حَمّالُ عِبْءٍ وأثْقالٌ أُعانِيها [٢]

وقَدْ حَمَلْتُ سِلاحِي فَوْقَ مُشْتَرَفٍ … ساطٍ سَبُوحٍ إذا تَجْرِي يُبارِيها [٣]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.130-129.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ عَلى عَمْرو بن العاصِي):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَأجابَهُما كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، فَقالَ: أبْلِغْ قُرَيْشًا وخَيْرُ القَوْلِ أصْدَقُهُ … والصِّدْقُ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ مَقْبُولُ [٦] أنْ قَدْ قَتَلْنا بِقَتْلانا سَراتَكُمْ … أهْلَ اللِّواءِ فَفِيما يَكْثُرُ القِيلُ [٧] ويَوْمَ بَدْرٍ لَقِيناكُمْ لَنا مَدَدٌ … فِيهِ مَعَ النَّصْرِ مِيكالُ وجِبْرِيلُ إنْ تَقْتُلُونا فَدِينُ الحَقِّ فِطْرَتُنا … والقَتْلُ فِي الحَقِّ عِنْدَ اللَّهِ تَفْضِيلُ وإنْ تَرَوْا أمْرَنا فِي رَأْيِكُمْ سَفَهًا … فَرَأْيُ مَن خالَفَ الإسْلامَ تَضْلِيلُ فَلا تَمَنَّوْا لِقاحَ الحَرْبِ واقْتَعِدُوا … إنّ أخا الحَرْبِ أصْدى اللَّوْنِ مَشْغُولُ [٨] إنّ لَكُمْ عِنْدَنا ضَرْبًا تَراحُ لَهُ … عُرْجُ الضِّباعِ لَهُ خَذْمٌ رَعابِيلُ [٩] إنّا بَنُو الحَرْبِ نَمْرِيها ونَنْتِجُها … وعِنْدَنا لِذَوِي الأضْغانِ تَنْكِيلُ [١] إنْ يَنْجُ مِنها ابْنُ حَرْبٍ بَعْدَ ما بَلَغَتْ … مِنهُ التَّراقِي وأمْرُ اللَّهِ مَفْعُولُ [٢] فَقَدْ أفادَتْ لَهُ حِلْمًا ومَوْعِظَةً … لِمَن يَكُونُ لَهُ لُبٌّ ومَعْقُولُ

ولَوْ هَبَطْتُمْ بِبَطْنِ السَّيْلِ كافَحَكُمْ … ضَرْبٌ بِشاكِلَةِ البَطْحاءِ تَرْعِيلُ [٣]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.148-147.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي أُحُدٍ):

وقالَ كَعْبٌ أيْضًا فِي أُحُدٍ: [...] تَبَجَّسْتُ تهجو رَسُول المليك … قاتَلَكَ اللَّهُ جِلْفًا لَعِينا [٣]

تَقُولُ الخَنا ثُمَّ تَرْمِي بِهِ … نَقِيَّ الثِّيابِ تَقِيًّا أمِينا [٤]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.161.
(قَتْلُ العامِرِيَّيْنِ):

فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، حَتّى إذا كانَ بِالقَرْقَرَةِ [١] مِن صَدْرِ قَناةٍ [٢]، أقْبَلَ رَجُلانِ مِن بَنِي عامِرٍ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: (ثُمَّ [٣]) مِن بَنِي كِلابٍ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو المَدَنِيُّ أنَّهُما مِن بَنِي سُلَيْمٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَتّى نَزَلا مَعَهُ فِي ظِلٍّ هُوَ فِيهِ. وكانَ مَعَ العامِرِيَّيْنِ عَقْدٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وجِوارٌ، لَمْ يَعْلَمْ بِهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، وقَدْ سَألَهُما حِينَ نَزَلا، مِمَّنْ أنْتُما؟ فَقالا: مِن بَنِي عامِرٍ، فَأمْهَلَهُما، حَتّى إذا ناما، عَدا عَلَيْهِما فَقَتَلَهُما، وهُوَ يَرى أنَّهُ قَدْ أصابَ بِهِما ثُؤْرَةً [٤] مِن بَنِي عامِرٍ، فِيما أصابُوا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ، لَأدِيَنَّهُما! (حُزْنُ الرَّسُولِ مِن عَمَلِ أبِي بَراءٍ):

ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَذا عَمَلُ أبِي بَراءٍ، قَدْ كُنْتُ لِهَذا كارِهًا مُتَخَوِّفًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ أبا بَراءٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ إخْفارُ عامِرٍ إيّاهُ، وما أصابَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَبَبِهِ وجِوارِهِ، وكانَ فِيمَن أُصِيبَ عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.186.
(ما قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِن الشِّعْرِ):

وكانَ مِمّا قِيلَ فِي بَنِي النَّضِيرِ مِن الشِّعْرِ قَوْلُ ابْنِ لُقَيْمٍ العَبْسِيِّ، ويُقالُ: قالَهُ قَيْسُ بْنُ بَحْرِ بْنِ طَرِيفٍ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: قَيْسُ بْنُ بَحْرٍ الأشْجَعِيُّ- فَقالَ: أهْلِي فِداءٌ لِامْرِئٍ غَيْرِ هالِكٍ … أحَلَّ اليَهُودَ بِالحَسِيِّ المُزَنَّمِ [١] يَقِيلُونَ فِي جَمْرِ الغَضاةِ وبُدِّلُوا [٢] … أُهَيْضِبُ [٣] عُودى [٤] بِالوَدِيِّ المُكَمَّمِ [٥] فَإنْ يَكُ ظَنِّيُّ صادِقًا بِمُحَمَّدٍ … تَرَوْا خَيْلَهُ بَيْنَ الصَّلا ويَرَمْرَمَ [٦] يَؤُمُّ بِها عَمْرَو بْنَ بُهْثَةَ إنّهُمْ … عَدْوٌّ وما حَيٌّ صَدِيقٌ كَمُجْرِمِ

عَلَيْهِنَّ أبْطالٌ مَساعِيرُ فِي الوَغى … يَهُزُّونَ أطْرافَ الوَشِيجِ المُقَوَّمِ [١]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.196-195.
فَأجابَهُ سَمّاكٌ [١] اليَهُودِيُّ، فَقالَ:

إنْ تَفْخَرُوا فَهُوَ فَخْرٌ لَكُمْ … بِمَقْتَلِ كَعْبٍ أبِي الأشْرَفِ غَداةَ غَدَوْتُمْ عَلى حَتْفِهِ … ولَمْ يَأْتِ غَدِرًا ولَمْ يُخْلِفْ فَعَلَّ اللَّيالِيَ وصَرَفَ الدُّهُورَ … يُدِيلُ [٢] مِن العادِلِ المُنْصِفِ [٣] بِقَتْلِ النَّضِيرِ وأحْلافِها … وعَقْرِ النَّخِيلِ ولَمْ تُقْطَفْ [٤] فَإنْ لا أمُتْ نَأْتِكُمْ بِالقَنا … وكُلُّ حُسامٍ مَعًا مُرْهَفِ [٥] بِكَفٍّ كَمِىٍّ بِهِ يَحْتَمِي … مَتى يَلْقَ قِرْنًا لَهُ يُتْلِفْ [٦] مَعَ القَوْمِ صَخْرٌ وأشْياعُهُ … إذا غاوَرَ القَوْمَ لَمْ يَضْعُفْ [٧]

كَلَيْثِ بِتَرْجِ حَمى غِيلَهُ … أخِي غابَةٍ هاصِرٍ أجْوَفِ [٨]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.198.
غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ فِي سَنَةِ أرْبَعٍ

(الأُهْبَةُ لَها): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَ رَبِيعٍ الآخَرِ وبَعْضَ جُمادى [٥]، ثُمَّ غَزا نَجْدًا يُرِيدُ بَنِي مُحارِبٍ وبَنِيَّ ثَعْلَبَةَ مِن غَطَفانَ، واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ [٦]، ويُقالُ: عُثْمانَ ابْن عَفّانَ، فِيما قالَ ابْنُ هِشامٍ: (سَبَبُ تَسْمِيَتِها بِذاتِ الرِّقاعِ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَتّى نَزَلَ نَخْلًا [١]، وهِيَ غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وإنَّما قِيلَ لَها غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، لِأنَّهُمْ رَقَّعُوا فِيها راياتِهِمْ، ويُقالُ: ذاتُ الرِّقاعِ: شَجَرَةٌ بِذَلِكَ المَوْضِعِ، يُقالُ لَها: ذاتُ الرِّقاعِ [٢].

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَلَقِيَ بِها جَمْعًا عَظِيمًا [٣] مِن غَطَفانَ، فَتَقارَبَ النّاسُ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وقَدْ خافَ النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتّى صَلّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالنّاسِ صَلاةَ الخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِالنّاسِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.204-203.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ عَلى هُبَيْرَةَ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ يُجِيبُ هُبَيْرَةَ بْنَ أبِي وهْبٍ أيْضًا: ألا هَلْ أتى غَسّانَ عَنّا ودُونَهُمْ … مِن الأرْضِ خَرْقٌ سَيْرُهُ مُتَنَعْنِعُ [٥] صَحارٍ وأعْلامٌ كَأنَّ قَتامَها … مِن البُعْدِ نَقْعٌ هامِدٌ مُتَقَطِّعُ [٦] تَظَلُّ بِهِ البُزَّلُ العَرامِيسُ رُزَّحًا … ويَخْلُو بِهِ غَيْثُ السِّنِينَ فَيُمْرِعُ [٧] بِهِ جِيَفُ الحَسْرى يَلُوحُ صَلِيبُها … كَما لاحَ كَتّانُ التِّجارِ المُوَضَّعُ [٨] بِهِ العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وبَيْضُ نَعامٍ قَيْضُهُ يَتَقَلَّعُ [٩] مُجالَدُنا [١] عَنْ دِينِنا كُلُّ فَخْمَةٍ … مُذَرَّبَةٍ فِيها القَوانِسُ تَلْمَعُ [٢] وكُلُّ صَمُوتٍ فِي الصِّوانِ كَأنَّها … إذا لُبِسَتْ تهي من الماء مترع [٣] ولَكِنْ بِبَدْرٍ سائِلُوا مَن لَقِيُتمُ … مِن النّاسِ والأنْباءُ بِالغَيْبِ تَنْفَعُ وإنّا بِأرْضِ الخَوْفِ لَوْ كانَ أهْلُها … سِوانا لَقَدْ أجْلَوْا بِلَيْلٍ فَأقْشَعُوا [٤] إذا جاءَ مِنّا راكِبٌ كانَ قَوْلُهُ … أعِدُّوا لِما يُزْجِي ابْنُ حَرْبٍ ويَجْمَعُ [٥] فَمَهْما يُهِمُّ النّاسَ مِمّا يَكِيدُنا … فَنَحْنُ لَهُ مِن سائِرِ النّاسِ أوْسَعُ فَلَوْ غَيْرُنا كانَتْ جَمِيعًا تكيده … البريّة قَدْ أعْطَوْا يَدًا وتَوَزَّعُوا [٦] نُجالِدُ لا تَبْقى عَلَيْنا قَبِيلَةٌ … مِن النّاسِ إلّا أنْ يَهابُوا ويَفْظُعُوا [٧] ولَمّا ابْتَنَوْا بِالعَرْضِ قالَ سَراتُنا … عَلامَ إذا لَمْ تَمْنَعْ العِرْضَ نَزْرَعُ؟ [٨] وفِينا رَسُولُ اللَّهِ نَتْبَعُ أمْرَهُ … إذا قالَ فِينا القَوْلَ لا نَتَطَلَّعُ [٩] تَدَلّى عَلَيْهِ الرُّوحُ مِن عِنْدِ رَبِّهِ … يُنَزَّلُ مِن جَوِّ السَّماءِ ويُرْفَعُ [١٠] نُشاوِرُهُ فِيما نُرِيدُ وقَصْرُنا … إذا ما اشْتَهى أنّا نُطِيعُ ونَسْمَعُ [١١] وقالَ رَسُولُ اللَّهِ لَمّا بَدَوْا لَنا … ذَرُوا عَنْكُمْ هَوْلَ المَنِيّاتِ واطْمَعُوا وكُونُوا كَمَن يَشْرِي الحَياةَ تَقَرُّبًا … إلى مَلِكٍ يُحْيا لَدَيْهِ ويُرْجَعُ [١٢] ولَكِنْ خُذُوا أسْيافَكُمْ وتَوَكَّلُوا … عَلى اللَّهِ إنّ الأمْرَ للَّه أجْمَعُ فَسِرْنا إلَيْهِمْ جَهْرَةً فِي رِحالهِمْ … ضُحَيًّا عَلَيْنا البِيضُ لا نَتَخَشَّعُ [١] بِمَلْمُومَةٍ فِيها السَّنَوُّرُ والقَنا … إذا ضَرَبُوا أقْدامَها لا تَوَرَّعُ [٢] فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِن البَحْرِ وسْطَهُ … أحابِيشُ مِنهُمْ حاسِرٌ ومُقَنَّعُ [٣] ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ … ثَلاثُ مِئِينٍ إنْ كَثُرْنا وأرْبَعُ [٤] نُغاوِرهُمْ تَجْرِي المَنِيَّةُ بَيْنَنا … نُشارِعُهُمْ حَوْضَ المَنايا ونَشْرَعُ [٥] تَهادى قِسِيُّ النَّبْعِ فِينا وفِيّهُمْ … وما هُوَ إلّا اليَثْرِبِيُّ المُقَطَّعُ [٦] ومَنجُوفَةٌ حَمِيَّةٌ صاعِدِيَّةٌ … يُذَرُّ عَلَيْها السَّمُّ ساعَةَ تُصْنَعُ [٧] تَصُوبُ بِأبْدانِ الرِّجالِ وتارَةً … تَمُرُّ بِأعْراضِ البِصارِ تَقَعْقَعُ [٨] وخَيْلٌ تَراها بِالفَضاءِ كَأنَّها … جَرادٌ صَبًا فِي قَرَّةٍ يَتَرَيَّعُ [٩] فَلَمّا تَلاقَيْنا ودارَتْ بِنا الرَّحى … ولَيْسَ لِأمْرٍ حَمَّهُ اللَّهُ مَدْفَعُ [١٠] ضَرَبْناهُمْ حَتّى تَرَكْنا سَراتَهُمْ … كَأنَّهُمْ بِالقاعِ خُشْبٌ مُصَرَّعُ [١١] لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى اسْتَفَقْنا عَشِيَّةً … كَأنَّ ذَكانا حَرُّ نارٍ تَلَفَّعُ [١٢] وراحُوا سِراعًا مُوجِفِينَ كَأنَّهُمْ … جَهامٌ هَراقَتْ ماءَهُ الرِّيحُ مُقْلَعُ [١] ورُحْنا وأُخْرانا بِطاءٌ كَأنَّنا … أُسُودٌ عَلى لَحْمٍ بِبِيشَةَ ظُلَّعُ [٢] فَنِلْنا ونالَ القَوْمُ مِنّا ورُبَّما … فَعَلْنا ولَكِنْ ما لَدى اللَّهِ أوْسَعُ ودارَتْ رَحانا واسْتَدارَتْ رَحاهُمْ … وقَدْ جُعِلُوا كُلٌّ مِن الشَّرِّ يَشْبَعُ ونَحْنُ أُناسٌ لا نَرى القَتْلَ سُبَّةً … عَلى كُلِّ مَن يَحْمِي الذِّمارَ ويَمْنَعُ [٣] جِلادٌ عَلى رَيْبِ الحَوادِثِ لا نَرى … عَلى هالِكٍ عَيْنًا لَنا الدَّهْرَ تَدْمَعُ [٤] بَنُو الحَرْبِ لا نَعْيا [٥] بِشَيْءٍ نَقُولُهُ … ولا نَحْنُ مِمّا جَرَّتْ الحَرْبُ نَجْزَعُ بَنُو الحَرْبِ إنْ نَظْفَرْ فَلَسْنا بِفُحَّشٍ … ولا نَحْنُ مِن أظْفارِها نَتَوَجَّعُ وكُنّا شِهابًا يُتَّقى النّاسُ حَرُّهُ … ويَفْرُجُ عَنْهُ مَن يَلِيهِ ويَسْفَعُ [٦] فَخَرْتَ عَلَيَّ ابْنَ الزِّبَعْرى وقَدْ سَرى … لَكُمْ طَلَبٌ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مُتْبَعُ فَسَلْ عَنْكَ فِي عُلْيا مَعَدٍّ وغَيْرِها … مِن النّاسِ مَن أخْزى مَقامًا وأشْنَعُ ومَن هُوَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ الحَرْبُ مَفْخَرًا … ومَن خَدُّهُ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أضْرَعُ [٧] شَدَدْنا بِحَوْلِ اللَّهِ والنَّصْرِ شَدَّةً … عَلَيْكُمْ وأطراف الأسنّة شرّع تَكُرُّ القَنا فِيكُمْ كَأنَّ فُرُوعَها … عَزالِي مَزادٍ ماؤُها يَتَهَزَّعُ [٨] عَمَدْنا إلى أهْلِ اللِّواءِ ومَن يَطِرْ … بِذِكْرِ اللِّواءِ فَهُوَ فِي الحَمْدِ أسْرَعُ فَخانُوا وقَدْ أعْطَوْا يَدًا وتَخاذَلُوا … أبى اللَّهُ إلّا أمْرَهُ وهُوَ أصْنَعُ قالَ ابْنُ هِشامٍ: وكانَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ قَدْ قالَ: مُجالَدُنا عَنْ جِذْمِنا [١] كُلُّ فَخْمَةٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أيَصْلُحُ أنْ تَقُولَ: مُجالَدُنا عَنْ دِينِنا؟ فَقالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَهُوَ أحْسَنُ، فَقالَ كَعْبٌ:

مُجالَدُنا عَنْ دِينِنا.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.135-133.
(هَمَّ الرَّسُولُ بِعَقْدِ الصُّلْحِ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَطَفانَ ثُمَّ عَدَلَ): فَلَمّا اشْتَدَّ عَلى النّاسِ البَلاءُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَما حَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ ومَن لا أتَّهِمُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ [٢] اللَّهِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ، إلى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وإلى الحارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أبِي حارِثَةَ المُرِّيِّ، وهُما قائِدا غَطَفانَ، فَأعْطاهُما ثُلُثَ ثِمارِ المَدِينَةِ عَلى أنْ يَرْجِعا بِمَن مَعَهُما عَنْهُ وعَنْ أصْحابِهِ، فَجَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهُما الصُّلْحُ، حَتّى كَتَبُوا الكِتابَ ولَمْ تَقَعْ الشَّهادَةُ ولا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ، إلّا المُراوَضَةُ فِي ذَلِكَ. فَلَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُما، واسْتَشارَهُما فِيهِ، فَقالا لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمْرًا نُحِبُّهُ فَنَصْنَعُهُ، أمْ شَيْئًا أمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، لا بُدَّ لَنا مِن العَمَلِ بِهِ، أمْ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنا؟ قالَ: بَلْ شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكُمْ، واَللَّهِ ما أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِأنَّنِي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وكالَبُوكُمْ [٣] مِن كُلِّ جانِبٍ، فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَ عَنْكُمْ مِن شَوْكَتِهِمْ إلى أمْرٍ ما، فَقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمُ عَلى الشِّرْكِ باللَّه وعِبادَةِ الأوْثانِ، لا نَعْبُدُ اللَّهَ ولا نَعْرِفُهُ، وهُمْ لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها تَمْرَةً إلّا قِرًى [٤] أوْ بَيْعًا، أفَحِينَ أكْرَمْنا اللَّهُ بِالإسْلامِ وهَدانا لَهُ وأعَزَّنا بِكَ وبِهِ، نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا! (واَللَّهِ) [٥] ما لَنا بِهَذا مِن حاجَةٍ، واَللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَأنْتَ وذاكَ. فَتَناوَلَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الصَّحِيفَةَ، فَمَحا ما فِيها مِن الكِتابِ، ثُمَّ قالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنا.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.223.
وأقْبَلَتْ الفُرْسانُ تُعْنِقُ نَحْوَهُمْ، وكانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ قَدْ قاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الخَنْدَقِ خَرَجَ مُعْلِمًا [١] لِيُرِيَ مَكانَهُ. فَلَمّا وقَفَ هُوَ وخَيْلُهُ، قالَ: مَن يُبارِزُ؟ فَبَرَزَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ لَهُ: يا عَمْرُو، إنّكَ قَدْ كُنْتُ عاهَدْتُ اللَّهَ ألّا يَدْعُوكَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ إلى إحْدى خَلَّتَيْنِ إلّا أخَذْتَها مِنهُ، قالَ لَهُ: أجَلْ، قالَ لَهُ عَلِيٌّ: فَإنِّي أدْعُوكَ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ، وإلى الإسْلامِ، قالَ: لا حاجَةَ لِي بِذَلِكَ، قالَ: فَإنِّي أدْعُوكَ إلى النِّزالِ، فَقالَ لَهُ: لِمَ يا بن أخى؟ فو الله ما أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ، قالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَكِنِّي واَللَّهِ أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ، فَحَمى [٢] عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، فاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ، فَعَقَرَهُ، وضَرَبَ وجْهَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ، فَتَنازَلا وتَجاوَلا، فَقَتَلَهُ عَلِيٌّ ﵁ [٣]. وخَرَجَتْ خَيْلُهُمْ مُنْهَزِمَةً، حَتّى اقْتَحَمَتْ مِن الخَنْدَقِ هارِبَةً.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.225.
(مَقْتَلُ بَنِي قُرَيْظَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ فِي دارِ بِنْتِ الحارِثِ [٢]، امْرَأةٍ مِن بَنِي النَّجّارِ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى سُوقِ المَدِينَةِ، الَّتِي هِيَ سُوقُها اليَوْمَ، فَخَنْدَقَ بِها خَنادِقَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِمْ، فَضَرَبَ أعْناقَهُمْ فِي تِلْكَ الخَنادِقِ، يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أرْسالًا [١]، وفِيهِمْ عَدُوُّ اللَّهِ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، رَأْسُ القَوْمِ، وهم ستّ مائَة أو سبع مائَة، والمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ: كانُوا بَين الثمان مائَة والتسع مائَة. وقَدْ قالُوا لِكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أرْسالًا: يا كَعْبُ، ما تَراهُ يُصْنَعُ بِنا؟ قالَ: أفِي كُلِّ مَوْطِنٍ لا تَعْقِلُونَ؟ ألا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لا يَنْزِعُ، وأنَّهُ مَن ذُهِبَ بِهِ مِنكُمْ لا يَرْجِعُ؟ هُوَ واَللَّهِ القَتْلُ! فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّأْبُ حَتّى فَرَغَ مِنهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.241-240.
ثُمَّ قالَ: «مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنهُمْ مَن قَضى نَحْبَهُ»: أيْ فَرَغَ مِن عَمَلِهِ، ورَجَعَ إلى رَبِّهِ، كَمَن [١] اُسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ أُحُدٍ.

(تَفْسِيرُ ابْنِ هِشامٍ لِبَعْضِ الغَرِيبِ): قالَ ابْنُ هِشامٍ: قَضى نَحْبَهُ: ماتَ، والنَّحْبُ: النَّفْسُ، فِيما أخْبَرَنِي أبُو عُبَيْدَةَ وجَمْعُهُ: نُحُوبٌ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: عَشِيَّةَ فرّ الحارثيّون بعد ما … قضى نحبه فِي [٢] ملتقى الخَيل هوبر وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وهَوْبَرُ: مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، أرادَ: يَزِيدَ ابْن هَوْبَرٍ. والنَّحْبُ (أيْضًا): النَّذْرُ. قالَ جَرِيرُ بْنُ الخَطْفِيِّ: بِطِخْفَةَ جالَدْنا [٣] المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بِسْطامٍ جَرَيْنَ عَلى نَحْبِ يَقُولُ: عَلى نَذْرٍ كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَقْتُلَهُ فَقَتَلَتْهُ، وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وبِسْطامٌ: بِسْطامُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبانِيِّ، وهُوَ ابْنُ ذِي الجَدَّيْنِ. حَدَّثَنِي أبُو عُبَيْدَةَ: أنَّهُ كانَ فارِسَ رَبِيعَةَ بْنِ نِزارٍ. وطِخْفَةُ: مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ البَصْرَةِ [٤] والنَّحْبُ (أيْضًا): الخِطارُ، وهُوَ: الرِّهانُ. قالَ الفَرَزْدَقُ: وإذْ نَحَبَتْ كَلْبٌ عَلى النّاسِ أيُّنا … عَلى النَّحْبِ أعْطى لِلْجَزِيلِ وأفْضَلُ والنَّحْبُ (أيْضًا): البُكاءُ. ومِنهُ قَوْلُهُمْ يُنْتَحَبُ. والنَّحْبُ (أيْضًا): الحاجَةُ والهِمَّةُ، تَقُولُ: ما لِي عِنْدَهُمْ نَحْبٌ. قالَ مالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ اليَرْبُوعِي: وما لِي نَحْبٌ عِنْدَهُمْ غَيْرَ أنَّنِي … تَلَمَّسْتُ ما تَبْغِي من الشّدن الشّجر [٥] وقالَ نَهارُ بْنُ تَوْسِعَةَ، أحَدُ بَنِي تَيْمِ اللّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ. قالَ ابْنُ هِشام: هَؤُلاءِ موالٍ بَنِي حَنِيفَةَ [١]: ونَجّى يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ رَكْضٌ … دِراكٌ بَعْدَ ما وقَعَ اللِّواءُ [٢] ولَوْ أدْرَكْنَهُ لَقَضَيْنَ نَحْبًا [٣] … بِهِ ولِكُلِّ مُخْطَأةٍ وِقاءُ والنَّحْبُ (أيْضًا): السَّيْرُ الخَفِيفُ المُرُّ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ [٤]: «ومِنهُمْ مَن يَنْتَظِرُ ٣٣: ٢٣»: أيْ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مِن نَصْرِهِ، والشَّهادَةُ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ أصْحابُهُ. يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ٣٣: ٢٣: أيْ ما شَكُّوا وما تَرَدَّدُوا فِي دِينِهِمْ، وما اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ ٣٣: ٢٤- ٢٥: أيْ قُرَيْشًا وغَطَفانَ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِن أهْلِ الكِتابِ ٣٣: ٢٥- ٢٦: أيْ بَنِي قُرَيْظَةَ «مِن صَياصِيهِمْ ٣٣: ٢٦»، والصَّياصِي: الحُصُونُ والآطامُ الَّتِي كانُوا فِيها. قالَ ابْنُ هِشامٍ: قالَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الحِسْحاسِ، وبَنُو الحِسْحاسِ مِن بَنِي أسَدِ ابْن خُزَيْمَةَ: وأصْبَحَتْ الثِّيرانُ صَرْعى وأصْبَحَتْ … نِساءُ تَمِيمٍ يَبْتَدِرْنَ الصَّياصِيا [٥] وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. والصَّياصِيُّ (أيْضًا): القُرُونُ. قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: وِسادَةَ رَهْطِي حَتّى بَقِيتُ … فَرْدًا كَصَيْصِيَةِ الأعْضَبِ [٦] يَقُولُ: أصابَ المَوْتُ سادَةَ رَهْطِي [٧]. وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وقالَ أبُو دَواُدَ الإيادِيُّ [٨]: فَذَعَرْنا سُحْمَ الصَّياصِي بِأيْدِيهِنَّ … نَضْحٌ مِن الكُحَيْلِ وقارُ [١] وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ [٢]. والصَّياصِي (أيْضًا): الشَّوْكُ الَّذِي لِلنَّسّاجِينَ، فِيما أخْبَرَنِي أبُو عُبَيْدَةَ. وأنْشَدَنِي لِدُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ الجُشَمِىِّ، جُشَمُ بْنُ مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوازِنَ: نَظَرْتُ إلَيْهِ والرِّماحُ [٣] تَنُوشُهُ [٤] … كَوَقْعِ الصَّياصِي فِي النَّسِيجِ المُمَدَّدِ وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. والصَّياصِيُّ (أيْضًا): الَّتِي تَكُونُ فِي أرْجُلِ الدِّيَكَةِ ناتِئَةً كَأنَّها القُرُونُ الصِّغارُ، والصَّياصِي (أيْضًا): الأُصُولُ. أخْبَرَنِي أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: جَذَّ اللَّهُ صِيصِيَتَهُ: أيْ أصْلَهُ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «وقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا ٣٣: ٢٦»: أيْ قَتَلَ الرِّجالَ، وسَبى الذَّرارِيَّ والنِّساءَ، «وأوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ ودِيارَهُمْ وأمْوالَهُمْ وأرْضًا لَمْ تَطَؤُها ٣٣: ٢٧»: يَعْنِي خَيْبَرَ «وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ٣٣: ٢٧». (وفاةُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وما ظَهَرَ مَعَ ذَلِكَ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَلَمّا انْقَضى شَأْنُ بَنِي قُرَيْظَةَ انْفَجَرَ بِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ جُرْحُهُ، فَماتَ مِنهُ شَهِيدًا.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.250-248.
(شُهَداءُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: واسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ مِن المُسْلِمِينَ، ثُمَّ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ: خَلّادُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرٍو، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحًى، فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: إنّ لَهُ لَأجْرَ شَهِيدَيْنِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.254.
ما قِيلَ مِن الشِّعْرِ فِي أمْرِ الخَنْدَقِ وبَنِي قُرَيْظَةَ

(شِعْرُ ضِرارٍ): وقالَ ضِرارُ بْنُ الخَطّابِ بْنِ مِرْداسٍ، أخُو بَنِي مُحارِبِ بْنِ فِهْرٍ، فِي يَوْمِ الخَنْدَقِ: ومُشْفِقَةٌ تَظُنُّ بِنا الظَّنُونا … وقَدْ قُدْنا عَرَنْدَسَةً طَحُونا [١] كَأنَّ زُهاءَها أُحُدٌ إذا ما … بَدَتْ أرْكانُهُ لِلنّاظِرِينا [٢] تَرى الأبْدانَ فِيها مُسْبِغاتٍ … عَلى الأبْطالِ واليَلَبَ الحَصِينا [٣] وجُرْدًا كالقِداحِ مُسَوَّماتٍ … نَؤُمُّ بها الغواة الخاطئينا [٤] كَأنَّهُمْ إذا صالُوا وصُلْنا … بِبابِ الخَنْدَقَيْنِ مُصافِحُونا [١] أُناسٌ لا نَرى فِيهِمْ رَشِيدًا … وقَدْ قالُوا ألَسْنا راشِدِينا فَأحْجَرْناهُمُ شَهْرًا كَرِيتًا … وكُنّا فَوْقَهُمْ كالقاهِرِينا [٢] نُراوِحُهُمْ ونَغْدُو كُلَّ يَوْمٍ … عَلَيْهِمْ فِي السِّلاحِ مُدَجَّجِينا [٣] بِأيْدِينا صَوارِمُ مُرْهَفاتٌ … نَقُدُّ بها المفارق والشّؤنا [٤] كَأنَّ ومِيضَهُنَّ مُعَرَّياتٍ … إذا لاحَتْ بِأيْدِي مُصْلِتِينا [٥] ومِيضُ عَقِيقَةٍ لَمَعَتْ بِلَيْلٍ … تَرى فِيها العَقائِقَ مُسْتَبِينا [٦] فَلَوْلا خَنْدَقٌ كانُوا لَدَيْهِ … لَدَمَّرْنا عَلَيْهِمْ أجْمَعِينا ولَكِنْ حالَ دُونَهُمْ وكانُوا … بِهِ مِن خَوْفِنا مُتَعَوِّذِينا فَإنْ نَرْحَلْ فَإنّا قَدْ تَرَكْنا … لَدى أبْياتِكُمْ سَعْدًا رَهِينا إذا جَنَّ الظَّلامُ سَمِعْتَ نَوْحى … عَلى سَعْدٍ يُرَجِّعْنَ الحَنِينا [٧] وسَوْفَ نَزُورُكُمْ عَمّا قَرِيبٍ … كَما زُرْناكُمْ مُتَوازِرِينا [٨]

بِجَمْعٍ مِن كِنانَةَ غَيْرَ عُزْلٍ … كَأُسْدِ الغابِ قَدْ حَمَتِ العَرِينا [٩]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.255.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي الرَّدِّ على ضرار):

فَأجابَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، أخُو بَنِي سَلِمَةَ، فَقالَ: وسائِلَةٍ تُسائِلُ ما لَقِينا … ولَوْ شَهِدَتْ رَأتْنا صابِرِينا صَبَرْنا لا نَرى للَّه عَدْلًا … عَلى ما نابَنا مُتَوَكِّلِينا

وكانَ لَنا النَّبِيُّ وزِيرَ صِدْقٍ … بِهِ نَعْلُو البَرِيَّةَ أجْمَعِينا
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.256-255.
قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فِي يَوْمِ الخَنْدَقِ: [...]

أمَرَ الإلَهُ بِرَبْطِها لِعَدُوِّهِ … فِي الحَرْبِ إنّ اللَّهَ خَيْرُ مُوَفِّقِ لِتَكُونَ غَيْظًا لِلْعَدُوِّ وحُيَّطا … لِلدّارِ إنْ دَلَفَتْ خُيُولُ النُّزَّقِ [٨] ويُعِينُنا اللَّهُ العَزِيزُ بِقُوَّةٍ … مِنهُ وصِدْقِ الصَّبْرِ ساعَةَ نَلْتَقِي ونُطِيعُ أمْرَ نَبِيِّنا ونُجِيبُهُ … وإذا دَعا لِكَرِيهَةٍ لَمْ نُسْبَقْ ومَتى يُنادِ إلى الشَّدائِدِ نَأْتِها … ومَتى نَرَ الحَوْماتِ فِيها نُعْنِقْ [٩] مَن يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ فَإنَّهُ … فِينا مُطاعُ الأمْرِ حَقُّ مُصَدَّقِ فَبِذاكَ يَنْصُرنا ويُظْهِرُ عِزَّنا … ويُصِيبُنا مِن نَيْلِ ذاكَ بِمِرْفَقِ إنّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا … كَفَرُوا وضَلُّوا عَنْ سَبِيلِ المُتَقِّي قالَ ابْنُ هِشامٍ أنْشَدَنِي بَيْتَهُ: تِلْكُمْ مَعَ التَّقْوى تَكُونُ لِباسَنا وبَيْتَهُ: مَن يَتَّبِعْ قَوْلَ النَّبِيِّ أبُو زَيْدٍ. وأنْشَدَنِي: تَنْفِي الجُمُوعَ كَرَأْسِ قُدْسِ المَشْرِقِ [١] قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فِي يَوْمِ الخَنْدَقِ:

لَقَدْ عَلِمَ الأحْزابُ حِينَ تَألَّبُوا … عَلَيْنا ورامُوا دِينَنا ما نُوادِعُ [٢]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.263-261.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ [٧]: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: وكانَ مِمّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ هَذَيْنِ الحَيَّيْنِ مِن الأنْصارِ، والأوْسِ والخَزْرَجِ، كانا يَتَصاوَلانِ [١] مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَصاوُلَ الفَحْلَيْنِ، لا تَصْنَعُ الأوْسُ شَيْئًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَناءً [٢] إلّا قالَتْ الخَزْرَجُ: واَللَّهِ لا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وفِي الإسْلامِ. قالَ: فَلا يَنْتَهُونَ حَتّى يُوقِعُوا مِثْلَها، وإذا فَعَلَتْ الخَزْرَجُ شَيْئًا قالَتْ الأوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ. ولَمّا أصابَتْ الأوْسَ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ فِي عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَتْ الخَزْرَجُ: واَللَّهِ لا تَذْهَبُونَ بِها فَضْلًا عَلَيْنا أبَدًا، قالَ: فَتَذاكَرُوا: مَن رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي العَداوَةِ كابْنِ الأشْرَفِ؟ فَذَكَرُوا ابْنَ أبِي الحُقَيْقِ، وهُوَ بِخَيْبَرِ، فاسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي قَتْلِهِ، فَأذِنَ لَهُمْ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.274-273.
(شِعْرُ حَسّانَ فِي قَتْلِ ابْنِ الأشْرَفِ وابْنِ أبِي الحُقَيْقِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ وهُوَ يَذْكُرُ قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وقَتْلَ سَلّامِ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ: للَّه دَرُّ عِصابَةٍ لاقَيْتَهُمْ … يا بْنَ الحُقَيْقِ وأنْتَ يا بن الأشْرَفِ [١] يَسْرُونَ بِالبِيضِ الخِفافِ إلَيْكُمْ … مَرَحًا كَأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مُغْرِفِ [٢] حَتّى أتَوْكُمْ فِي مَحِلِّ بِلادِكُمْ … فَسَقَوْكُمْ حَتْفًا بِبِيضِ ذُفَّفِ [٣] مُسْتَبْصِرِينَ [٤] لِنَصْرِ دِينِ نَبِيِّهِمْ … مُسْتَصْغِرِينَ لِكُلِّ أمْرٍ مُجْحِفٍ [٥]

قالَ ابْنُ هِشامٍ: قَوْلُهُ: «ذُفَّفِ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحاقَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.276.
غَزْوَةُ بَنِي لِحْيانَ

(خُرُوجُ الرَّسُولِ إلى بَنِي لِحْيانَ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ [٢]: ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ ذا الحَجَّةِ والمُحَرَّمَ وصَفَرًا وشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وخَرَجَ فِي جُمادى الأُولى عَلى رَأْسِ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن فَتْحِ قُرَيْظَةَ، إلى بَنِي لِحْيانَ يَطْلُبُ بِأصْحابِ الرَّجِيعِ: خُبَيْبَ بْنَ عَدِيٍّ وأصْحابَهُ، وأظْهَرَ أنَّهُ يُرِيدُ الشّامَ، لِيُصِيبَ مِن القَوْمِ غِرَّةً [٣]. (اسْتِعْمالُهُ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى المَدِينَةِ): فَخَرَجَ مِن المَدِينَةِ صلى الله عليه وسلم، واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، فِيما قالَ ابْنُ هِشامٍ. (طَرِيقُهُ إلَيْهِمْ ثُمَّ رُجُوعُهُ عَنْهُمْ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَسَلَكَ عَلى غُرابٍ، جَبَلٍ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ عَلى طَرِيقِهِ إلى الشّامِ، ثُمَّ عَلى مَحِيصٍ [٤]، ثُمَّ عَلى البَتْراءِ، ثُمَّ صَفَّقَ [٥] ذاتَ اليَسارِ، فَخَرَجَ عَلى بَيْنٍ [٦]، ثُمَّ عَلى صُخَيْراتِ اليَمامِ [٧]، ثُمَّ اسْتَقامَ بِهِ الطَّرِيقُ عَلى المَحَجَّةِ مِن طَرِيقِ مَكَّةَ، فَأغَذَّ [٨] السَّيْرَ سَرِيعًا، حَتّى نَزَلَ عَلى غُرانَ، وهِيَ مَنازِلُ بَنِي لِحْيانٍ، وغُرانُ وادٍ بَيْنَ أمَجَّ وعُسْفانَ، إلى بَلَدٍ يُقالُ لَهُ: سايَةُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وتَمَنَّعُوا فِي رُءُوسِ الجِبالِ. فَلَمّا نَزَلَها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأخْطَأهُ مِن غِرَّتِهِمْ ما أرادَ، قالَ: لَوْ أنّا هَبَطْنا عُسْفانَ لَرَأى أهْلُ مَكَّةَ أنّا قَدْ جِئْنا مَكَّةَ، فَخرج فِي مِائَتي راكِبٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى نَزَلَ عُسْفانَ، ثُمَّ بَعَثَ فارِسَيْنِ مِن أصْحابِهِ حَتّى بَلَغا كُراعَ الغَمِيمِ [١]، ثُمَّ كَرَّ وراحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قافِلًا [٢]. (مَقالَةُ الرَّسُولِ فِي رُجُوعِهِ): فَكانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ حِينَ وجه راجعا: آئبون تائِبُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ لِرَبِّنا حامِدُونَ، أعُوذُ باللَّه مِن وعْثاءِ [٣] السَّفَرِ، وكَآبَةِ [٤] المُنْقَلَبِ، وسُوءِ المَنظَرِ فِي الأهْلِ والمالِ. (شِعْرُ كَعْبٍ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيانَ): والحَدِيثُ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيانَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيانَ: لَوْ أنَّ بَنِي لِحْيانَ كانُوا تَناظَرُوا … لَقُوا عُصَبًا فِي دارِهِمْ ذاتَ مَصْدَقِ [٥] لَقُوا سَرَعانًا يَمْلَأُ السَّرْبَ رَوْعُهُ … أمامَ طَحُونٍ كالمَجَرَّةِ فَيْلَقِ [٦]

ولَكِنَّهُمْ كانُوا وِبارًا تَتَبَّعَتْ … شِعابَ حِجازٍ غَيْرِ ذِي مُتَنَفَّقِ [١]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.281-279.
(شِعْرُ كَعْب فِي يوذى قَرَدٍ):

وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ فِي يَوْمِ ذِي قَرَدٍ لِلْفَوارِسِ: أتَحْسَبُ أوْلادُ اللَّقِيطَةِ أنَّنا … عَلى الخَيْلِ لَسْنا مِثْلَهُمْ فِي الفَوارِسِ وإنّا أُناسٌ لا نَرى القَتْلَ سُبَّةً … ولا نَنْثَنِي عِنْدَ الرِّماحِ المَداعِسِ [٤] وإنّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ مِن قَمَعِ الذُّرا … ونَضْرِبُ رَأْسَ الأبْلَخِ المُتَشاوِسِ [١] نَرُدُّ كُماةَ المُعْلَمِينَ إذا انْتَخَوْا … بِضَرْبٍ يُسْلِي نَخْوَةَ المُتَقاعِسِ [٢] بِكُلِّ فَتًى حامِي الحَقِيقَةَ ماجِدٍ … كَرِيمٍ كَسِرْحانِ الغَضاةِ مُخالِسِ [٣] يَذُودُونَ عَنْ أحْسابهِمْ وتِلادِهِمْ … بِبِيضٍ تَقُدُّ الهامَ تَحْتَ القَوانِسِ [٤] فَسائِلْ بَنِي بَدْرٍ إذا ما لَقِيتَهُمْ … بِما فَعَلَ الإخْوانُ يَوْمَ التَّمارُسِ [٥] إذا ما خَرَجْتُمْ فاصْدُقُوا [٦] مَن لَقِيتُمْ … ولا تَكْتُمُوا أخْبارَكُمْ فِي المَجالِسِ وقُولُوا زَلِلْنا عَنْ مَخالِبِ خادِرٍ … بِهِ وحَرٌ فِي الصَّدْرِ ما لَمْ يُمارِسْ [٧]

قالَ ابْنُ هِشامٍ: أنْشَدَنِي بَيْتَهُ: «وإنّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ» أبُو زَيْدٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.288-287.
غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلِقِ [٦]

(وقْتُها): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَأقامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ بَعْضَ جُمادى الآخِرَةِ ورَجَبًا، ثُمَّ غَزا بَنِي المُصْطَلِقِ مِن خُزاعَةَ، فِي شَعْبانَ سَنَةَ سِتٍّ [٧]. (اسْتِعْمالُ أبِي ذَرٍّ عَلى المَدِينَةِ): قالَ ابْنُ هِشامٍ: واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ أبا ذَرٍّ الغِفارِيِّ، ويُقالُ: نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ. (سَبَبُ غَزْوِ الرَّسُول لَهُم): قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ حِبّانَ، كُلٌّ قَدْ حَدَّثَنِي بَعْضَ حَدِيثِ بَنِي المُصْطَلِقِ، قالُوا: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ بَنِي المُصْطَلِقِ يَجْمَعُونَ لَهُ، وقائِدُهُمْ الحارِثُ بْنُ أبِي ضِرارٍ أبُو جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الحارِثِ، زَوْجِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ خَرَجَ إلَيْهِمْ، حَتّى لَقِيَهُمْ عَلى ماءٍ لَهُمْ [١] يُقالُ لَهُ: المُرَيْسِيعُ، مِن ناحِيَةِ قَدِيدٍ إلى السّاحِلِ، فَتَزاحَفَ النّاسُ واقْتَتَلُوا، فَهَزَمَ اللَّهُ بَنِي المُصْطَلِقِ، وقُتِلَ مَن قُتِلَ مِنهُمْ، ونَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أبْناءَهُمْ ونِساءَهُمْ وأمْوالَهُمْ، فَأْفاءَهُمْ عَلَيْهِ. (مَوْتُ ابْنِ صُبابَةَ):

وقَدْ أُصِيبَ رَجُلٌ مِن المُسْلِمِينَ مِن بَنِي كَلْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عامِرِ بْنِ لَيْثِ ابْن بَكْرٍ، يُقالُ لَهُ: هِشامُ بْنُ صُبابَةَ، أصابَهُ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ مِن رَهْطِ عُبادَةَ ابْن الصّامِتِ، وهُوَ يَرى أنَّهُ مِن العَدُوِّ، فَقَتَلَهُ خَطَأٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.290-289.
(الرَّسُولُ وبِشْرُ بْنُ سُفْيانَ): قالَ الزُّهْرِيُّ: وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتّى إذا كانَ بِعُسْفانَ [١] لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيانَ الكَعْبِيُّ- قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويُقالُ بُسْرٌ- فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَدْ سَمِعْتُ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ العُوذُ المَطافِيلُ [٢]، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، وقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى [٣]، يُعاهِدُونَ اللَّهَ لا تَدْخُلُها عَلَيْهِمْ أبَدًا، وهَذا خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوها إلى كُراعِ الغَمِيمِ [٤]، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يا ويْحَ قُرَيْشٍ! لَقَدْ أكَلَتْهُمْ الحَرْبُ، ماذا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وبَيْنَ سائِرِ العَرَبِ، فَإنْ هُمْ أصابُونِي كانَ الَّذِي أرادُوا، وإنْ أظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الإسْلامِ وافِرِينَ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا قاتَلُوا وبِهِمْ قُوَّةٌ، فَما تظنّ قُرَيْش، فو الله لا أزالُ أُجاهِدُ عَلى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ [٥]، ثُمَّ قالَ: مَن رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنا عَلى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الَّتِي هُمْ بِها؟
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.309.
(عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُود رَسُول الله مِن قُرَيْشٍ إلى الرَّسُولِ):

قالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنِّي قَدْ رَأيْتُ ما يَلْقى مِنكُمْ مَن بَعَثْتُمُوهُ إلى مُحَمَّدٍ إذْ جاءَكُمْ مِن التَّعْنِيفِ وسُوءِ اللَّفْظِ، وقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّكُمْ والِدٌ [١] وإنِّي ولَدٌ- وكانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ- وقَدْ سَمِعْتُ بِاَلَّذِي نابَكُمْ، فَجَمَعْتُ مَن أطاعَنِي مِن قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُكُمْ حَتّى آسَيْتُكُمْ [٢] بِنَفْسِي، قالُوا: صَدَقْتُ، ما أنْتَ عِنْدَنا بِمُتَّهَمٍ. فَخَرَجَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّد، أجمعت أو شاب [٣] النّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إلى بَيْضَتِكَ [٤] لِتَفُضَّها [٥] بِهِمْ، إنّها قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَها العُوذُ المَطافِيلُ. قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعاهِدُونَ اللَّهَ لا تَدْخُلُها عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أبَدًا. واَيْمُ اللَّهِ، لِكَأنِّي بِهَؤُلاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا. قالَ: وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قاعِدٌ، فَقالَ: امصص بظر اللات، أنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ؟ قالَ: مَن هَذا يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: هَذا ابْنُ أبِي قُحافَةَ، قالَ: أما واَللَّهِ لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَكافَأْتُكَ بِها، ولَكِنْ هَذِهِ بِها، قالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَتَناوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُكَلِّمُهُ.

قالَ: والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ واقِفٌ عَلى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الحَدِيدِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.313.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: لا نبرح حتى نناجز القوم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة. فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفر. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها، إلا الجد بن قيس، أخو بني سلمة، فكان جابر بن عبد الله يقول: والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته. قد ضبأ [1] إليها، يستتر بها من الناس. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.316-315.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يا أبا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ واحْتَسِبْ، فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَكَ ولِمَن مَعَكَ مِن المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، إنّا قَدْ عَقَدْنا بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ صُلْحًا، وأعْطَيْناهُمْ عَلى ذَلِكَ، وأعْطَوْنا عَهْدَ اللَّهِ، وإنّا لا نَغْدِرُ بِهِمْ، قالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعَ أبِي جَنْدَلٍ يَمْشِي إلى جَنْبِهِ، ويَقُولُ: اصْبِرْ يا أبا جَنْدَلٍ، فَإنَّما هُمْ المُشْرِكُونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ. قالَ: ويُدْنِي قائِمَ السَّيْفِ مِنهُ. قالَ: يَقُولُ عُمَرُ: رَجَوْتُ أنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبُ بِهِ أباهُ، قالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأبِيهِ، ونَفَذَتْ القَضِيَّةُ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.319-318.
ثُمَّ قالَ تَعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ، وأثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا. ومَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها، وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا. وعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ، وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ، ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ويَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا. وأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها، وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ٤٨: ١٨- ٢١.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.321.
(اجْتِماع المُحْتَبَسِينَ إلى أبِي بِصَيْرِ وإيذاؤُهُمْ قُرَيْشًا وإيواءُ الرَّسُولِ لَهُمْ):

ثُمَّ خَرَجَ أبُو بَصِيرٍ حَتّى نَزَلَ العِيصَ، مِن ناحِيَةِ ذِي المَرْوَةِ، عَلى ساحِلِ البَحْرِ، بِطَرِيقِ قُرَيْشٍ الَّتِي كانُوا يَأْخُذُونَ عَلَيْها إلى الشّامِ، وبَلَغَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا اُحْتُبِسُوا بِمَكَّةَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأبِي بِصَيْرِ: «ويْلُ أُمِّهِ مِحَشَّ حَرْبٍ لَوْ كانَ مَعَهُ رِجالٌ!، فَخَرَجُوا إلى أبِي بِصَيْرِ بِالعِيصِ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِنهُمْ قَرِيبٌ مِن سَبْعِينَ رَجُلًا، وكانُوا قَدْ ضَيَّقُوا عَلى قُرَيْشٍ، لا يَظْفَرُونَ بِأحَدِ مِنهُمْ إلّا قَتَلُوهُ، ولا تَمُرُّ بِهِمْ عِيرٌ إلّا اقْتَطَعُوها، حَتّى كَتَبَتْ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَسْألُ بِأرْحامِها إلّا آواهُمْ، فَلا حاجَةَ لَهُمْ بِهِمْ. فَآواهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ المَدِينَةَ.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: أبُو بِصَيْرِ ثَقَفِيٌّ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.324.
(مُصالَحَةُ الرَّسُولِ أهْلَ خَيْبَرَ): وحاصَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمْ الوَطِيحِ والسُّلالِمِ، حَتّى إذا أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ، سَألُوهُ أنْ يُسَيِّرَهُمْ [١] وأنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِماءَهُمْ، فَفَعَلَ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ حازَ الأمْوالَ كُلَّها: الشَّقَّ ونَطاةَ والكَتِيبَةَ وجَمِيعَ حُصُونِهِمْ، إلّا ما كانَ مِن ذَيْنِكَ الحِصْنَيْنِ. فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ أهْلُ فَدَكَ قَدْ صَنَعُوا ما صَنَعُوا، بَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَسْألُونَهُ أنْ يُسَيِّرَهُمْ، وأنَّ يَحْقِنَ دِماءَهُمْ، ويُخَلُّوا لَهُ الأمْوالَ، فَفَعَلَ. وكانَ فِيمَن مَشى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أخُو بَنِي حارِثَةَ، فَلَمّا نَزَلَ أهْلُ خَيْبَرَ عَلى ذَلِكَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعامِلَهُمْ فِي الأمْوالِ عَلى النِّصْفِ، وقالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ بِها مِنكُمْ، وأعْمَرُ لَها، فَصالَحَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلى النِّصْفِ، عَلى أنّا إذا شِئْنا أنْ نُخْرِجَكُمْ أخْرَجْناكُمْ، فَصالَحَهُ أهْلُ فَدَكَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ فَدَكُ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِأنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْها بِخَيْلِ ولا رِكابٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.337.
(إسْلامُهُ واسْتِشْهادُهُ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مِن حَدِيثِ الأسْوَدِ الرّاعِي، فِيما بَلَغَنِي: أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ مُحاصِرٌ لِبَعْضِ حُصُونِ خَيْبَرَ، ومَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، كانَ فِيها أجِيرًا لِرَجُلِ مِن يَهُودَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اعْرِضْ عَلَيَّ الإسْلامَ، فَعَرَّضَهُ عَلَيْهِ، فَأسْلَمَ- وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يَحْقِرُ أحَدًا أنْ يَدْعُوَهُ إلى الإسْلامِ، ويَعْرِضَهُ عَلَيْهِ- فَلَمّا أسْلَمَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي كُنْتُ أجِيرًا لِصاحِبِ هَذِهِ الغَنَمِ، وهِيَ أمانَةٌ عِنْدِي، فَكَيْفَ أصْنَعُ بِها؟ قالَ: اضْرِبْ فِي وُجُوهِها، فَإنَّها سَتَرْجِعُ إلى رَبِّها- أوْ كَما قالَ- فَقالَ الأسْوَدُ، فَأخَذَ حَفْنَةً مِن الحَصى [١]، فَرَمى بِها فِي وُجُوهِها، وقالَ: ارْجِعِي إلى صاحبك، فو الله لا أصْحَبُكَ أبَدًا، فَخَرَجَتْ مُجْتَمَعَةً، كَأنَّ سائِقًا يَسُوقُها، حَتّى دَخَلَتْ الحِصْنَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى ذَلِكَ الحِصْنِ لِيُقاتِلَ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَأصابَهُ حَجَرٌ فَقَتَلَهُ، وما صَلّى للَّه صَلاةً قَطُّ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَوُضِعَ خَلْفَهُ، وسُجِّيَ بِشَمْلَةٍ كانَتْ عَلَيْهِ، فالتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومَعَهُ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، ثُمَّ أعَرَضَ عَنْهُ، فَقالُوا:

يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ أعَرَضْتُ عَنْهُ؟ قالَ: إنّ مَعَهُ الآنَ زَوْجَتَيْهِ مِن الحُورِ العِينِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وأخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي نَجِيحٍ أنَّهُ ذُكِرَ لَهُ: أنَّ الشَّهِيدَ إذا ما أُصِيبَ تَدَلَّتْ (لَهُ) [٢] زَوْجَتاهُ مِن الحُورِ العِينِ، عَلَيْهِ تَنْفُضانِ التُّرابَ عَنْ وجْهِهِ، وتَقُولانِ: تَرَّبَ اللَّهُ وجْهَ مَن تَرَّبَكَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَكَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.345.
(ارْتِجازُ ابْنِ رَواحَةَ وهُوَ يَقُودُ ناقَةَ الرَّسُولِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي تِلْكَ العُمْرَةِ دَخَلَها وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ آخِذٌ بِخِطامِ، [٤] ناقَتِهِ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ … خَلُّوا فَكُلُّ الخَيْرِ فِي رَسُولِهِ يا رَبِّ إنِّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ [٥] … أعْرِفُ حَقَّ اللَّهِ فِي قَبُولِهِ نَحْنُ قَتَلْناكُمْ عَلى تَأْوِيلِهِ … كَما قَتَلْناكُمْ عَلى تَنْزِيلِهِ [٦] ضَرْبًا يُزِيلُ الهامَ عَنْ مَقِيلِهِ … ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ قالَ ابْنُ هِشامٍ: «

نَحْنُ قَتَلْناكُمْ عَلى تَأْوِيلِهِ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.371.
(شِعْرُ كَعْبٍ فِي بُكاءِ قَتْلى مُؤْتَةَ):

وقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: نامَ العُيُونُ ودَمْعُ عَيْنِكَ يَهْمُلُ … سَحًّا كَما وكَفَ [٣] الطَّبابُ المُخْضَلُ [٤] فِي لَيْلَةٍ ورَدَتْ عَلَيَّ هُمُومُها … طَوْرًا أحِنُّ [٥] وتارَةً أتَمَلْمَلُ [٦] واعْتادَنِي حُزْنٌ فَبِتُّ كَأنَّنِي … بِبَناتِ نَعْشٍ والسِّماكِ مُوَكَّلُ [٧] وكَأنَّما بَيْنَ الجَوانِحِ والحَشى … مِمّا تَأوَّبَنِي شِهابٌ مُدْخَلُ [٨] وجْدًا عَلى النَّفَرِ الَّذِينَ تَتابَعُوا … يَوْمًا بِمُؤْتَةَ أُسْنِدُوا لَمْ يُنْقَلُوا صَلّى الإلَهُ عَلَيْهِمْ مِن فِتْيَةٍ … وسَقى عِظامَهُمْ الغَمامُ المُسْبِلُ [٩] صَبَرُوا بِمُؤْتَةَ لِلْإلَهِ نُفُوسَهُمْ … حَذَرَ الرَّدى ومَخافَةً أنْ يَنْكُلُوا [١٠] فَمَضَوْا أمامَ المُسْلِمِينَ كَأنَّهُمْ … فُنُقٌ عَلَيْهِنَّ الحَدِيدُ المُرْفَلُ [١١] إذْ يَهْتَدُونَ بِجَعْفَرٍ ولِوائِهِ … قُدّامَ أوَّلِهِمْ فَنِعْمَ الأوَّلُ حَتّى تَفَرَّجَتْ الصُّفُوفُ وجَعْفَرٌ … حَيْثُ التَقى وعْثُ الصُّفُوفِ مُجَدَّلُ [١] فَتَغَيَّرَ القَمَرُ المُنِيرُ لِفَقْدِهِ … والشَّمْسُ قَدْ كَسَفَتْ وكادَتْ تَأْفِلُ [٢] قَرْمٌ [٣] عَلا بُنْيانُهُ مِن هاشِمٍ … فَرْعًا أشَمَّ وسُؤْدُدًا ما يُنْقَلُ [٤] قَوْمٌ بِهِمْ عَصَمَ الإلَهُ عِبادَهُ … وعَلَيْهِمْ نَزَلَ الكِتابُ المُنْزَلُ فَضَلُوا المَعاشِرَ عِزَّةً وتَكَرُّمًا … وتَغَمَّدَتْ أحْلامُهُمْ مَن يَجْهَلُ [٥] لا يُطْلِقُونَ إلى السَّفاهِ حُباهُمْ … ويُرى خَطِيبُهُمْ بِحَقٍّ يَفْصِلُ [٦] بِيضُ الوُجُوهِ تُرى بُطُونُ أكُفِّهِمْ … تَنْدى إذا اعْتَذَرَ الزّمان الممحل [٧]

وبهداهم رضى الإلَه الخلقَة … وبِجَدِّهِمْ نُصِرَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ [٨]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.386-385.
(ذَهابُ ابْنِ ورْقاءَ إلى الرَّسُولِ بِالمَدِينَةِ شاكِيًا وتَعَرُّفُ أبِي سُفْيانَ أمْرَهُ):

ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ فِي نَفَرٍ مِن خُزاعَةَ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ، فَأخْبَرُوهُ بِما أُصِيبَ مِنهُمْ، وبِمُظاهَرَةِ [٧] قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا راجِعِينَ إلى مَكَّةَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنّاسِ: كَأنَّكُمْ بِأبِي سُفْيانَ قَدْ جاءَكُمْ لِيَشُدَّ العَقْدَ، ويَزِيدَ فِي المُدَّةِ. ومَضى بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ وأصْحابُهُ حَتّى لَقُوا أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفانَ [٨]، قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِيَشُدَّ العَقْدَ، ويَزِيدَ فِي المُدَّةِ، وقَدْ رَهِبُوا الَّذِي صَنَعُوا. فَلَمّا لَقِيَ أبُو سُفْيانَ بُدَيْلِ بْنَ ورْقاءَ، قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتُ يا بُدَيْلُ؟ وظَنَّ أنَّهُ قَدْ أتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: تَسَيَّرْتُ فِي خُزاعَةَ فِي هَذا السّاحِلِ، وفِي بَطْنِ هَذا الوادِي، قالَ: أوَ ما جِئْتُ مُحَمَّدًا؟ قالَ: لا، فَلَمّا راحَ بُدَيْلِ إلى مَكَّةَ، قالَ أبُو سُفْيانَ: لَئِنْ جاءَ بُدَيْلِ المَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِها النَّوى، فَأتى مَبْرَكَ راحِلَتِهِ، فَأخَذَ مِن بَعْرِها فَفَتَّهُ، فَرَأى فِيهِ النَّوى، فَقالَ: أحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جاءَ بُدَيْلِ مُحَمَّدًا. (خُرُوجُ أبِي سُفْيانَ إلى المَدِينَة الصُّلْح وإخْفاقُهُ): ثُمَّ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ حَتّى قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقالَ: يا بُنَيَّةُ، ما أدْرِي أرَغِبْتُ بِي عَنْ هَذا الفِراشِ أمْ رَغِبْتُ بِهِ عَنِّي؟ قالَتْ: بَلْ هُوَ فِراشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجَسٌ، ولَمْ أُحِبَّ أنْ تَجْلِسَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قالَ: واَللَّهِ لَقَدْ أصابَكَ يا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ. ثُمَّ خَرَجَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى أبِي بَكْرٍ، فَكَلَّمَهُ أنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: ما أنا بِفاعِلِ، ثُمَّ أتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَكَلَّمَهُ، فَقالَ: أأنا أشْفَعُ لَكُمْ إلى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟ فو اللَّهِ لَوْ لَمْ أجِدْ إلّا الذَّرَّ لَجاهَدْتُكُمْ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وعِنْدَهُ فاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ورَضِيَ عَنْها، وعِنْدَها حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غُلامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْها، فَقالَ: يا عَلِيُّ، إنّكَ أمَسُّ القَوْمِ بِي رَحِمًا، وإنِّي قَدْ جِئْتُ فِي حاجَةٍ، فَلا أرْجِعَنَّ كَما جِئْتُ خائِبًا، فاشْفَعْ لِي إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ: ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ! واَللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلى أمْرٍ ما نَسْتَطِيعُ أنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ. فالتَفَتَ إلى فاطِمَةَ فَقالَ: يا بْنَةَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكَ أنْ تَأْمُرِي بُنَيَّكَ هَذا فَيُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؟ قالَتْ: واَللَّهِ ما بَلَغَ بُنَيَّ ذاكَ أنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، وما يُجِيرُ أحَدٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: يا أبا الحَسَنِ، إنِّي أرى الأُمُورَ قَدْ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ، فانْصَحْنِي، قالَ: واَللَّهِ ما أعْلَمُ لَكَ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، ولَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنانَةَ، فَقُمْ فَأجِرْ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ الحَقْ بِأرْضِكَ، قالَ: أوَ تَرى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ قالَ: لا واَللَّهِ، ما أظُنُّهُ، ولَكِنِّي لا أجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ. فَقامَ أبُو سُفْيانَ فِي المَسْجِدِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنِّي قَدْ أجَرْتُ بَيْنَ النّاسِ. ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فانْطَلَقَ، فَلَمّا قَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ، قالُوا: ما وراءَكَ؟ قالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فكلّمته، فو الله ما رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أبِي قُحافَةَ، فَلَمْ أجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ الخَطّابِ، فَوَجَدْتُهُ أدْنى العَدُوِّ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: أعْدى العَدُوِّ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ ألْيَنَ القَوْمِ، وقَدْ أشارَ عَلَيَّ بِشَيْء صَنعته، فو الله ما أدْرِي هَلْ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا أمْ لا؟ قالُوا: وبِمَ أمَرَكَ؟ قالَ: أمَرَنِي أنْ أُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، فَفَعَلْتُ، قالُوا: فَهَلْ أجازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: لا، قالُوا: ويْلَكَ! واَللَّهِ إنْ زادَ الرَّجُلُ عَلى أنْ لَعِبَ بِكَ، فَما يُغْنِي عَنْكَ ما قُلْتُ. قالَ:

لا واَللَّهِ، ما وجَدْتُ غَيْرَ ذَلِكَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.397-395.
(تَجْهِيزُ الرَّسُولِ لِفَتْحِ مَكَّةَ):

وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالجَهازِ، وأمَرَ أهْلَهُ أنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى ابْنَتِهِ عائِشَةَ ﵂، وهِيَ تُحَرِّكُ بَعْضَ جَهازِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: أيْ بُنَيَّةُ: أأمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أنْ تُجَهِّزُوهُ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزْ، قالَ: فَأيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قالَتْ: (لا) واَللَّهِ ما أدْرِي. ثُمَّ إنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أعْلَمَ النّاسَ أنَّهُ سائِرٌ إلى مَكَّةَ، وأمَرَهُمْ بِالجِدِّ والتَّهَيُّؤِ، وقالَ: اللَّهمّ خُذْ العُيُونَ والأخْبارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَها [١] فِي بِلادِها. فَتَجَهَّزَ النّاسُ. (شِعْرُ حَسّانَ فِي تَحْرِيضِ النّاسِ): فَقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ يُحَرِّضُ النّاسَ، ويَذْكُرُ مُصابَ رِجالِ خُزاعَةَ: عَنانِي ولَمْ أشْهَدْ بِبَطْحاءِ مَكَّةٍ … رِجالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزُّ رِقابُها [١] بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ … وقَتْلى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنَّ ثِيابُها [٢] ألا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنالَنَّ نُصْرَتِي … سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وخْزُها وعُقابُها [٣] وصَفْوانُ عَوْدٌ [٤] حَنَّ مِن شُفْرِ اسْتِهِ [٥] … فَهَذا أوانُ الحَرْبِ شُدَّ عِصابُها فَلا تَأْمَنَنّا يا بن أُمِّ مُجالِدٍ … إذا اُحْتُلِبَتْ صَرْفًا وأعْصَلَ نابُها [٦] ولاَ تَجْزَعُوا مِنّا فَإنَّ سُيُوفَنا … لَها وقْعَةٌ بِالمَوْتِ يُفْتَحُ بابُها قالَ ابْنُ هِشامٍ: قَوْلُ حَسّانَ: « بأيدي رِجالٍ لَمْ يَسُلُّوا سُيُوفَهُمْ

» يَعْنِي قُرَيْشًا، «وابْنُ أُمِّ مُجالِدٍ» يَعْنِي عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.398-397.
(عَرْضُ جُيُوشِ الرَّسُولِ أمامَ أبِي سُفْيانَ):

قالَ: ومَرَّتْ القَبائِلُ عَلى راياتِها، كُلَّما مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قالَ: يا عَبّاسُ، مَن هَذِهِ؟ فَأقُولُ: سليم، فَيَقُول: ما لي ولِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ القَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يا عَبّاسُ، مَن هَؤُلاءِ؟ فَأقُولُ: مُزَيْنَةُ، فَيَقُول: ما لي ولِمُزَيْنَةَ، حَتّى نَفِدَتْ القَبائِلُ، ما تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلّا يَسْألُنِي عَنْها، فَإذا أخْبَرْتُهُ بهم، قالَ: ما لي ولِبَنِي فُلانٍ، حَتّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَتِيبَتِهِ الخَضْراءِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وإنَّما قِيلَ لَها الخَضْراءُ لِكَثْرَةِ الحَدِيدِ وظُهُورِهِ فِيها. قالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ اليَشْكُرِيُّ: ثُمَّ حُجْرًا أعْنِي ابْنَ أُمِّ قَطامٍ … ولَهُ فارِسِيَّةٌ خَضْراءُ يَعْنِي الكَتِيبَةَ، وهَذا البَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وقالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ: لَمّا رَأى بَدْرًا تَسِيلُ جِلاهُهُ … بِكَتِيبَةِ خَضْراءَ مِن بَلْخَزْرَجِ وهَذا البَيْتُ فِي أبْياتٍ لَهُ قَدْ كَتَبْناها فِي أشْعارِ يَوْمِ بَدْرٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فِيها المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، ﵃، لا يُرى مِنهُمْ إلّا الحَدَقُ مِن الحَدِيدِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ: يا عَبّاسُ، مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ: قُلْتُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، قالَ: ما لِأحَدِ بِهَؤُلاءِ قِبَلٌ ولا طاقَةٌ، واَللَّهِ يا أبا الفَضْلِ، لَقَدْ أصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أخِيكَ الغَداةَ عَظِيمًا، قالَ:

قُلْتُ: يا أبا سُفْيانَ، إنّها النُّبُوَّةُ. قالَ: فَنَعَمْ إذَنْ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.404.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي نَجِيحٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، قالا: وأُصِيبَ مِن جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ المَيْلاءِ، مِن خَيْلِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وأُصِيبَ مِن المُشْرِكِينَ ناسٌ قَرِيبٌ مِن اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، أوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَخَرَجَ حِماسٌ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ، ثُمَّ قالَ لِامْرَأتِهِ: أغَلِقِي عَلَيَّ بابِي، قالَتْ: فَأيْنَ ما كُنْتُ تَقُولُ؟ فَقالَ:

إنّكِ لَوْ شَهِدْتُ يَوْمَ الخَنْدَمَهْ … إذْ فَرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَهْ وأبُو يَزِيدَ قائِمٌ كالمُوتَمَهْ … واسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَهْ [٢] يَقْطَعْنَ كُلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَهْ … ضَرْبًا فَلا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ [٣] لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنا وهَمْهَمَهْ … لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أدْنى كَلِمَهْ [٤]

قالَ ابْنُ هِشامٍ: أنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالشِّعْرِ قَوْلَهُ «كالمُوتَمَهْ»، وتُرْوى لِلرَّعّاشِ [١] الهُذَلِيِّ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.409-408.
(عَهْدُ الرَّسُولِ إلى أُمَرائِهِ وأمْرُهُ بِقَتْلِ نَفَرٍ سَمّاهُمْ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَهِدَ إلى أُمَرائِهِ مِن المُسْلِمِينَ، حِينَ أمَرَهُمْ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، أنْ لا يُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَهُمْ، إلّا أنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمّاهُمْ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ وإنْ وُجِدُوا تَحْتَ أسْتارِ الكَعْبَةِ، مِنهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، أخُو بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. (سَبَبُ أمْرِ الرَّسُولِ بِقَتْلِ سَعْدٍ وشَفاعَةُ عُثْمانَ فِيهِ): وإنَّما أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ لِأنَّهُ قَدْ كانَ أسْلَمَ، وكانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الوَحْيَ، فارْتَدَّ مُشْرِكًا راجِعًا إلى قُرَيْشٍ، فَفَرَّ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وكانَ أخاهُ لِلرَّضاعَةِ، فَغَيَّبَهُ حَتّى أتى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ أنْ اطْمَأنَّ النّاسُ وأهْلُ مَكَّةَ، فاسْتَأْمَنَ لَهُ: فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَمَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ قالَ: نَعَمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ عَنْهُ عُثْمانُ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَن حَوْلَهُ مِن أصْحابِهِ: لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقالَ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ: فَهَلّا أوْمَأْتُ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنّ النَّبِيَّ لا يَقْتُلُ بِالإشارَةِ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: ثُمَّ أسْلَمَ بَعْدُ، فَوَلّاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بَعْضَ أعْمالِهِ، ثُمَّ ولّاهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ بَعْدَ عُمَرَ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِن بَنِي تَيْمِ بْنِ غالِبٍ: إنّما أمَرَ بِقَتْلِهِ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقًا [١]، وبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا مِن الأنْصارِ، وكانَ مَعَهُ مَوْلى لَهُ يَخْدُمُهُ، وكانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنزِلًا، وأمَرَ المَوْلى أنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، فَيَصْنَعَ لَهُ طَعامًا، فَنامَ، فاسْتَيْقَظَ ولَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا. (أسَماءُ مَن أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِهِمْ وسَبَبُ ذَلِكَ): وكانَتْ لَهُ قَيْنَتانِ: فَرْتَنى وصاحِبَتُها، وكانَتا تُغَنِّيانِ بِهِجاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِما مَعَهُ. والحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وكانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وكانَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ حَمَلَ فاطِمَةَ وأُمَّ كُلْثُومٍ، ابْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن مَكَّةَ يُرِيدُ بِهِما المَدِينَةَ، فَنَخَسَ بِهِما الحُوَيْرِثُ ابْن نُقَيْذٍ، فَرَمى بِهِما إلى الأرْضِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ ومِقْيَسُ بْنُ حُبابَةَ [٢]: وإنَّما أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِ، لِقَتْلِ الأنْصارِيِّ الَّذِي كانَ قَتَلَ أخاهُ خَطَأً، ورُجُوعُهُ إلى قُرَيْشٍ مُشْرِكًا. وسارَةُ، مَوْلاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ. وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ. وكانَتْ سارَةُ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ، فَأمّا عِكْرِمَةُ فَهَرَبَ إلى اليَمَنِ، وأسْلَمْتُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فاسْتَأْمَنَتْ لَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأمَّنَهُ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ إلى اليَمَنِ [٣]، حَتّى أتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأسْلَمَ. وأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ المَخْزُومِيُّ وأبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ، اشْتَرَكا فِي دَمِهِ، وأمّا مِقْيَسُ بْنُ حُبابَةَ [٤] فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ فِي قَتْلِهِ: لَعَمْرِي لَقَدْ أخْزى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ … وفَجَّعَ أضْيافَ الشِّتاءِ بِمِقْيَسِ فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِثْلَ مِقْيَسٍ … إذا النُّفَساءُ أصْبَحَتْ لَمْ تُخَرَّسْ [١] وأمّا قَيْنَتا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْداهُما، وهَرَبَتْ الأُخْرى، حَتّى اُسْتُؤْمِنَ لَها رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدُ، فَأمَّنَها. وأمّا سارَةُ فاسْتُؤْمِنَ لَها فَأمَّنَها، ثُمَّ بَقِيَتْ حَتّى أوْطَأها رَجُلٌ مِن النّاسِ فَرَسًا فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالأبْطَحِ فَقَتَلَها. وأمّا الحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. (حَدِيثُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَّنَتْهُما أُمُّ هانِئٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي هِنْدَ، عَنْ أبِي مُرَّةَ، مَوْلى عَقِيلِ ابْن أبِي طالِبٍ، أنَّ أمّ هانِئ بنت أبِي طالِبٍ قالَتْ: لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأعْلى مَكَّةَ، فَرَّ إلَيَّ رَجُلانِ مِن أحْمائِي، مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَتْ عِنْدَ هُبَيْرَةَ بْنِ أبِي وهْبٍ المَخْزُومِيِّ، قالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أخِي، فَقالَ: واَللَّهِ لَأقْتُلَنَّهُما، فَأغْلَقْتُ عَلَيْهِما بابَ بَيْتِي، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وهُوَ بِأعْلى مَكَّةَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ مِن جَفْنَةٍ إنّ فِيها لَأثَرَ العَجِينِ، وفاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمّا اغْتَسَلَ أخَذَ ثَوْبَهُ فَتَوَشَّحَ بِهِ، ثُمَّ صَلّى ثَمانِيَ رَكَعاتٍ مِن الضُّحى ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيَّ، فَقالَ: مَرْحَبًا وأهْلًا يا أُمَّ هانِئٍ، ما جاءَ بِكَ؟ فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ الرَّجُلَيْنِ وخَبَرَ عَلِيٍّ، فَقالَ: قَدْ أجَرْنا مَن أجَرْتِ، وأمَّنّا مَن أمَّنْتُ، فَلا يَقْتُلْهُما. قالَ ابْنُ هِشامٍ: هُما الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، وزُهَيْرُ بن أبى أمّة بْنُ المُغِيرَةِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.411-409.
(طَوافُ الرَّسُولِ بِالبَيْتِ وكَلِمَتُهُ فِيهِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن أبِي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمّا نَزَلَ مَكَّةَ، واطْمَأنَّ النّاسُ، خَرَجَ حَتّى جاءَ البَيْتَ، فَطافَ بَهْ سَبْعًا عَلى راحِلَتِهِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ [٢] فِي يَدِهِ، فَلَمّا قَضى طَوافَهُ، دَعا عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَأخَذَ مِنهُ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ، فَفُتِحَتْ لَهُ، فَدَخَلَها، فَوَجَدَ فِيها حَمامَةً مِن عِيدانٍ، فَكَسَرَها بِيَدِهِ ثُمَّ طَرَحَها، ثُمَّ وقَفَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ وقَدْ اُسْتُكِفَّ لَهُ النّاسُ [١] فِي المَسْجِدِ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قامَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ، فَقالَ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، ألا كُلُّ مَأْثُرَةٍ [٢] أوْ دَمٍ أوْ مالٍ يُدَّعى فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا سَدانَةَ [٣] البَيْتِ وسِقايَةَ الحاجِّ، ألا وقَتِيلُ الخَطَأِ شِبْهِ العَمْدِ بِالسَّوْطِ والعَصا، فَفِيهِ الدّية مُغَلّظَة، مائَة مِن الإبِلِ، أرْبَعُونَ مِنها فِي بُطُونِها أوْلادُها. يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ، وتَعَظُّمَها بِالآباءِ، النّاسُ مِن آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، وجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا، إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ ٤٩: ١٣ … الآيَةَ كُلَّها. ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ما تُرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ فِيكُمْ؟ قالُوا: خَيْرًا، أخٌ كَرِيمٌ، وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ، قالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمْ الطُّلَقاءُ» (إقْرارُ الرَّسُولِ بن طَلْحَةَ عَلى السَّدانَةِ):

ثُمَّ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومِفْتاحُ الكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْمَعْ لَنا الحِجابَةَ مَعَ السِّقايَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أيْنَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقالَ: هاكَ مِفْتاحَكَ يا عُثْمانُ، اليَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ ووَفاءٍ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وذَكَرَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لِعَلِيٍّ: إنّما أُعْطِيكُمْ ما تُرْزَءُونَ لا ما تَرْزَءُونَ [٤].
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.411.
(شِعْرُ حَسّانَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ):

وكانَ مِمّا قِيلَ مِن الشِّعْرِ فِي يَوْمِ الفَتْحِ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ [٥]: عَفَتْ ذاتُ الأصابِعِ فالجِواءُ … إلى عَذْراءَ مَنزِلُها خَلاءُ [٦] دِيارٌ مِن بَنِي الحَسْحاسِ قَفْرٌ … تُعَفِّيها الرَّوامِسُ والسَّماءُ [١] وكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسٌ … خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ [٢] فَدَعْ هَذا، ولَكِنْ مَن لِطَيْفِ … يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ [٣] لِشَعْثاءَ الَّتِي قَدْ تَيَّمَتْهُ … فَلَيَسَ لِقَلْبِهِ مِنها شِفاءُ [٤] كَأنَّ خَبِيئَةً مِن بَيْتِ رَأْسٍ … يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ [٥] إذا ما الأشْرِباتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا … فَهُنَّ لِطَيِّبِ الراح الفِداء [٦] نولّيها المَلامَةَ إنْ ألَمْنا … إذا ما كانَ مَغْثٌ أوْ لِحاءُ [٧] ونَشْرَبُها فَتَتْرُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا اللِّقاءُ [٨] عَدِمْنا خَيْلَنا إنْ لَمْ تَرَوْها … تُثِيرُ النَّقْعَ مَوْعِدُها كَداءُ [٩] يُنازِعْنَ الأعِنَّةَ مُصْغِياتٍ … عَلى أكْتافِها الأسَلُ الظِّماءُ [١٠] تَظَلُّ جِيادُنا مُتَمَطِّراتٍ … يُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّساءُ [١] فَإمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنا … وكانَ الفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطاءُ [٢] وإلّا فاصْبِرُوا لِجِلادِ يَوْمٍ … يُعِينُ اللَّهُ فِيهِ مَن يَشاءُ [٣] وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا … ورُوحُ القُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ [٤] وقالَ اللَّهُ قَدْ أرْسَلْتُ عَبْدًا … يَقُولُ الحَقَّ إنْ نَفَعَ البَلاءُ [٥] شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا [٦] صَدِّقُوهُ … فَقُلْتُمْ لا نَقُومُ ولا نَشاءُ وقالَ اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا … هُمْ الأنْصارُ عُرْضَتُها اللِّقاءُ [٧] لَنا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِن مَعَدٍّ … سِبابٌ أوْ قِتالٌ أوْ هِجاءُ فَنُحْكِمُ بِالقَوافِي مَن هَجانا … ونَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّماءُ [٨] ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ [٩] عَنِّي … مُغَلْغَلَةً [١٠] فَقَدْ بَرِحَ الخَفاءُ بِأنَّ سُيُوفَنا تَرَكَتْكَ عَبْدًا … وعَبْدُ الدّارِ سادَتُها الإماءُ [١١] هَجَوْتَ مُحَمَّدًا وأجَبْتُ عَنْهُ … وعِنْدَ اللَّهِ فِي ذاكَ الجَزاءُ أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ … فَشَرُّكُما لِخَيْرِكُما الفِداءُ هَجَوْتَ مُبارَكًا بَرًّا حَنِيفًا … أمِينَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفاءُ [١] أمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكُمْ … ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ؟ فَإنَّ أبِي ووالِدَهُ وعِرْضِي … لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنكُمْ وِقاءُ لِسانِي صارِمٌ لا عَيْبَ فِيهِ … وبَحْرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ قالَ ابْنُ هِشامٍ: قالَها حَسّانُ يَوْمَ الفَتْحِ. ويُرْوى: « لِسانِي صارِمٌ لا عَتْبَ فِيهِ

» وبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: لَمّا رَأى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم النِّساءَ يَلْطِمْنَ الخَيْلَ بِالخُمُرِ تَبَسَّمَ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.423-421.
(شِعْرُ بُجَيْرٍ فِي يَوْمِ الفَتْحِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى فِي يَوْمِ الفَتْحِ: نَفى أهْلَ الحَبَلَّقِ كُلَّ فَجٍّ … مُزَيْنَةُ غُدْوَةً وبَنُو خُفافِ [٩] ضَرَبْناهُمْ بِمَكَّةَ يَوْم فتح النّبيّ … الخَيْرِ بِالبِيضِ الخِفافِ [١] صَبَحْناهُمْ بِسَبْعٍ مِن سُلَيْمٍ … وألْفٍ مِن بَنِي عُثْمانَ وافِ [٢] نَطا أكْتافَهُمْ ضَرْبًا وطَعْنًا [٣] … ورَشْقًا بِالمُرَيَّشَةِ اللِّطافِ [٤] تَرى بَيْنَ الصُّفُوفِ لَها حَفِيفًا … كَما انْصاعَ الفُواقُ مِن الرِّصافِ [٥] فَرُحْنا والجِيادُ تَجُولُ فِيهِمْ … بِأرْماحٍ مُقَوَّمَةِ الثِّقافِ فَأُبْنا غانِمِينَ بِما اشْتَهَيْنا … وآبُوا نادِمِينَ عَلى الخِلافِ وأعْطَيْنا رَسُولَ اللَّهِ مِنّا … مَواثِقَنا عَلى حُسْنِ التَّصافِي

وقَدْ سَمِعُوا مَقالَتَنا فَهَمُّوا … غَداةَ الرَّوْعِ مِنّا بِانْصِرافِ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.426-425.
مَسِيرُ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ بَعْدَ الفَتْحِ إلى بَنِي جَذِيمَةَ [٤] مِن كِنانَةَ ومَسِيرُ عَلِيٍّ لِتَلافِي خَطَأِ خالِدٍ

(وُصاةُ الرَّسُولِ لَهُ وما كانَ مِنهُ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيما حَوْلَ مَكَّةَ السَّرايا تَدْعُو إلى اللَّهِ ﷿، ولَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقِتالِ، وكانَ مِمَّنْ بَعَثَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وأمَرَهُ أنْ يَسِيرَ بِأسْفَلِ تِهامَةَ داعِيًا، ولَمْ يَبْعَثْهُ مُقاتِلًا، فَوَطِئَ بَنِي جَذِيمَةَ، فَأصابَ مِنهُمْ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.428.
(شِعْرُ رَجُلٍ مِن بَنِي جَذِيمَةَ فِي يَوْمِ الفَتْحِ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي جَذِيمَةَ: جَزى اللَّهُ عَنّا مُدْلِجًا حَيْثُ أصبَحت … جزاءة بؤسي حَيْثُ سارَتْ وحَلَّتْ أقامُوا عَلى أقْضاضِنا يَقْسِمُونَها … وقْدَ نُهِلَتْ فِينا الرّماح وعلّت [٨] فو الله لَوْلا دِينُ آلِ مُحَمَّدٍ … لَقَدْ هَرَبَتْ مِنهُمْ خُيُولُ فَشَلَّتْ [٩] وما ضَرَّهُمْ أنْ لا يُعِينُوا كَتِيبَةً … كَرِجْلِ جَرادٍ أُرْسِلَتْ فاشْمَعَلَّتِ [١] فَإمّا يَنْبُوا أوْ يَثُوبُوا لِأمْرِهِمْ … فَلا نَحْنُ نَجْزِيهِمْ بِما قَدْ أضَلَّتْ [٢] (شِعْرُ وهْبٍ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ): فَأجابَهُ وهْبٌ، رَجُلٌ مِن بَنِي لَيْثٍ، فَقالَ: دَعَوْنا إلى الإسْلامِ والحَقِّ عامِرًا … فَما ذَنْبُنا فِي عامِرٍ إذْ تَوَلَّتْ

وما ذَنْبُنا فِي عامِرٍ لا أبا لَهُمْ … لِأنْ سَفِهَتْ أحْلامُهُمْ ثُمَّ ضَلَّتْ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.435-434.
قالَ: والتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ مِمَّنْ صَبَرَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكانَ حَسَنَ الإسْلامِ حِينَ أسْلَمَ، وهُوَ آخِذٌ بِثَفَرِ بَغْلَتِهِ [١]، فَقالَ مَن هَذا؟ قالَ: أنا ابْنُ أُمِّكَ [٢] يا رَسُولَ اللَّهِ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.446.
(قَصِيدَةٌ أُخْرى لِابْنِ مِرْداسٍ):

فَقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ السُّلَمِيُّ يَذْكُرُ قارِبَ بْنَ الأسْوَدِ وفِرارَهُ مِن بَنِي أبِيهِ، وذا الخِمارِ وحَبْسَهُ قَوْمَهُ لِلْمَوْتِ: ألا مِن مُبَلِّغٍ غَيْلانَ عَنِّي … وسَوْفَ- إخالُ- يَأْتِيهِ الخَبِيرُ [١] وعُرْوَةَ إنّما أُهْدِي جَوابًا … وقَوْلًا غَيْرَ قَوْلِكُما يَسِيرُ بِأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ … لِرَبٍّ لا يَضِلُّ ولا يَجُورُ وجَدْناهُ نَبِيًّا مِثْلَ مُوسى … فَكُلُّ فَتى يُخايِرُهُ مَخِيرُ [٢] وبِئْسَ الأمْرُ أمْرُ بَنِي قَسِيٍّ … بِوَجٍّ إذْ تُقُسِّمَتْ الأُمُورُ [٣] أضاعُوا أمْرَهُمْ ولِكُلِّ قَوْمٍ … أمِيرٌ والدَّوائِرُ قَدْ تَدُورُ فَجِئْنا أُسْدَ غاباتٍ إلَيْهِمْ … جُنُودُ اللَّهِ ضاحِيَةً تَسِيرُ [٤] يَؤُمُّ الجَمْعَ جَمْعَ بَنِي قَسِيٍّ … عَلى حَنَقٍ نَكادُ لَهُ نَطِيرُ [٥] وأُقْسِمُ لَوْ هُمْ مَكَثُوا لَسِرْنا … إلَيْهِمْ بِالجُنُودِ ولَمْ يَغُورُوا [٦] فَكُنّا أُسْدَ لِيَّةَ ثَمَّ حَتّى … أبَحْناها وأُسْلِمَتْ النُّصُورُ [٧] ويَوْمٌ كانَ قَبْلُ لَدى حُنَيْنٍ … فَأقْلَعَ والدِّماءُ بِهِ تَمُورُ [٨] مِن الأيّامِ لَمْ تَسْمَعْ كَيَوْمٍ … ولَمْ يَسْمَعْ بِهِ قَوْمٌ ذُكُورُ قَتَلْنا فِي الغُبارِ بَنِي حُطَيْطٍ … عَلى راياتِها والخَيْلُ زُورُ [٩] ولَمْ يَكُ ذُو الخِمارِ رَئِيسَ قَوْمٍ … لَهُمْ عَقْلٌ يُعاقِبُ أوْ مَكِيرُ أقامَ بِهِمْ عَلى سَنَنِ المَنايا … وقَدْ بانَتْ لِمُبْصِرِها الأُمُورُ [١٠] فَأفْلَتَ مَن نجا مِنهُم جيضا … وقُتِّلَ مِنهُمْ بَشَرٌ كَثِيرُ [١] ولا يُغْنِي الأُمُورَ أخُو التَوانِي … ولا الغَلِقُ الصُّرَيِّرَةُ الحَصُورُ [٢] أحانَهُمُ وحانَ ومَلَّكُوهُ … أُمُورَهُمْ وأفْلَتَتْ الصُّقُورُ [٣] بَنُو عَوْفٍ تَمِيحُ بِهِمْ جِيادٌ … أُهِينَ لَها الفَصافِصُ والشَّعِيرُ [٤] فَلَوْلا قارِبٌ. وبَنُو أبِيهِ … تُقُسِّمتَ المَزارِعُ والقصور ولكنّ الرِّئاسَة عُمِّمُوها … عَلى يُمْنٍ أشارَ بِهِ المُشِيرُ [٥] أطاعُوا قارِبًا ولَهُمْ جُدُودٌ … وأحْلامٌ إلى عِزٍّ تَصِيرُ فَإنْ يُهْدَوْا إلى الإسْلامِ يُلْفَوْا … أُنُوفَ النّاسِ ما سَمَرَ السَّمِيرُ [٦] وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَهُمْ أذانٌ … بِحَرْبِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيرُ كَما حَكَّتْ بَنِي سَعْدٍ وحَرْبٌ … بِرَهْطِ بَنِي غَزِيَّةَ عَنْقَفِيرُ [٧] كَأنَّ بَنِي مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ … إلى الإسْلامِ ضائِنَةٌ تَخُورُ [٨] فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكُمْ … وقَدْ بَرَأتْ مِن الإحَنِ [٩] الصُّدُورُ كَأنَّ القَوْمَ إذْ جاءُوا إلَيْنا … مِن البَغْضاءِ بَعْدَ السِّلْمِ عُورُ

قالَ ابْنُ هِشامٍ: غَيْلانُ: غَيْلانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، وعُرْوَةُ: عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.452-450.
فَقالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ دُرَيْدٍ فِي قَتْلِ رَبِيعَةَ دُرَيْدًا:

لَعَمْرُكَ ما خَشِيتُ عَلى دُرَيْدٍ … بِبَطْنِ سُمَيْرَةَ [٣] جَيْشَ العَناقِ [٤] جَزى عَنْهُ الإلَهُ بَنِي سُلَيْمٍ … وعَقَّتْهُمْ بِما فَعَلُوا عَقاقِ [١] وأسْقانا إذا قُدْنا إلَيْهِمْ … دِماءَ خِيارِهِمْ عِنْدَ التَّلاقِي فَرُبَّ عَظِيمَةٍ دافَعْتَ عَنْهُمْ … وقَدْ بَلَغَتْ نَفُوسُهُمْ التَّراقِي ورُبَّ كَرِيمَةٍ أعْتَقْتَ مِنهُمْ … وأُخْرى قَدْ فَكَكْتَ مِن الوَثاقِ ورُبَّ مُنَوِّهٍ بِكَ مِن سُلَيْمٍ … أجَبْتَ وقَدْ دَعاكَ بِلا رَماقِ [٢]. فَكانَ جَزاؤُنا مِنهُمْ عُقُوقًا … وهَمًّا ماعَ مِنهُ مُخُّ ساقِي [٣]

عَفَتْ آثارُ خَيْلِكَ بَعْدَ أيْنٍ … بِذِي بَقَرٍ إلى فَيْفِ النُّهاقِ [٤]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.454-453.
(شَأْنُ بِجادٍ والشَّيْماءِ): قالَ ابْنُ إسْحاقَ، وحَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ يَوْمَئِذٍ: إنْ قَدَرْتُمْ عَلى بِجادٍ، رَجُلٍ مِن بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَلا يُفْلِتَنَّكُمْ، وكانَ قَدْ أحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمّا ظَفِرَ بِهِ المُسْلِمُونَ ساقُوهُ وأهْلَهُ، وساقُوا مَعَهُ الشَّيْماءَ، بِنْتَ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ العُزّى أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن الرَّضاعَةِ، فَعَنُفُوا عَلَيْها فِي السِّياقِ، فَقالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعَلَمُوا واَللَّهِ أنِّي لَأُخْتُ صاحِبِكُمْ مِن الرَّضاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوها حَتّى أتَوْا بِها إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.458.
(شِعْرٌ آخَرُ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ أيْضًا: يا خاتَمُ النُّبَآءِ إنّكَ مُرْسَلٌ … بِالحَقِّ كُلُّ هُدى السَّبِيلِ هُداكا إنّ الإلَهَ بَنى عَلَيْكَ مَحَبَّةً … فِي خَلْقِهِ ومُحَمَّدًا سَمّاكا ثُمَّ الَّذِينَ وفَوْا بِما عاهَدْتَهُمْ … جُنْدٌ بَعَثْتَ عَلَيْهِمْ الضَّحّاكا رَجُلًا بِهِ ذَرَبُ السِّلاحِ كَأنَّهُ … لَمّا تَكَنَّفَهُ العَدُوُّ يَراكا [٢] يَغْشى ذَوِي النَّسَبِ القَرِيبِ وإنَّما … يَبْغِي رِضا الرَّحْمَنِ ثُمَّ رِضاكا أُنْبِيكَ أنِّي قَدْ رَأيْتُ مَكَرَّهُ … تَحْتَ العَجاجَةِ يَدْمَغُ الإشْراكا [٣] طَوْرًا يُعانِقُ بِاليَدَيْنِ وتارَةً … يفرى الجماجم صار ما بَتّاكا [٤] يَغْشى بِهِ هامَ الكُماةِ ولَوْ تَرى … مِنهُ الَّذِي عايَنْتُ كانَ شِفاكا [٥] وبَنُو سُلَيْمٍ مُعْنِقُونَ أمامَهُ … ضَرْبًا وطَعْنًا فِي العَدُوِّ دِراكًا [٦] يَمْشُونَ تَحْتَ لِوائِهِ وكَأنَّهُمْ … أُسْدُ العَرِينِ أرَدْنَ ثَمَّ عِراكا [٧] ما يَرْتَجُونَ مِن القَرِيبِ قَرابَةً … إلّا لِطاعَةِ رَبِّهِمْ وهَواكا

هَذِي مَشاهِدُنا الَّتِي كانَتْ لَنا … مَعْرُوفَةً ووَلِيُّنا مَوْلاكا
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.461.
وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ أيْضًا فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ:

تَقَطَّعَ باقِي وصْلِ أُمِّ مُؤَمَّلٍ … بِعاقِبَةِ واسْتَبْدَلَتْ نِيَّةً خُلْفا [٨] وقَدْ حَلَفَتْ باللَّه لا تَقْطَعُ القُوى … فَما صَدَقَتْ فِيهِ ولا بَرَّتْ الحَلْفا [٩] خُفافِيَّةٌ بَطْنُ العَقِيقِ مَصِيفُها … وتَحْتَلُّ فِي البادِينَ وجْرَةَ فالعُرْفا [١] فَإنْ تَتْبَعْ الكُفّارَ أُمُّ مُؤَمَّلٍ … فَقَدْ زَوَّدَتْ قَلْبِي عَلى نَأْيِها شَغْفا [٢] وسَوْفَ يُنَبِّيها الخَبِيرُ بِأنَّنا … أبَيْنا ولَمْ نَطْلُبْ سِوى رَبِّنا حِلْفا [٣] وأنّا مَعَ الهادِي النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ … وفَيْنا ولَمْ يَسْتَوْفِها مَعْشَرٌ ألْفا بِفِتْيانِ صِدْقٍ مِن سُلَيْمٍ أعِزَّةٍ … أطاعُوا فَما يَعْصُونَ مِن أمْرِهِ حَرْفا خُفافٌ وذَكْوانٌ وعَوْفٌ تَخالُهُمْ … مَصاعِبَ زافَتْ فِي طَرُوقَتِها كُلْفا [٤] كَأنَّ النَّسِيجَ الشُهْبَ والبِيضَ مُلْبَسٌ … أُسُودًا تَلاقَتْ فِي مَراصِدِها غُضْفا [٥] بِنا عَزَّ دِينُ اللَّهِ غَيْرَ تَنَحُّلٍ … وزِدْنا عَلى الحَيِّ الَّذِي مَعَهُ ضِعْفا [٦] بِمَكَّةَ إذْ جِئْنا كَأنَّ لِواءَنا … عُقابٌ أرادَتْ بَعْدَ تَحْلِيقِها خَطْفا عَلى شُخَّصِ الأبْصارِ تَحْسِبُ بَيْنَها … إذا هِيَ جالَتْ فِي مَراوِدِها عَزْفا [٧] غَداةَ وطِئْنا المُشْرِكِينَ ولَمْ نَجِدْ … لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ عَدْلًا ولا صَرْفا [٨] بِمُعْتَرَكٍ لا يَسْمَعُ القَوْمُ وسْطَهُ … لَنا زَجْمَةٌ إلّا التَّذامُرَ والنَّقْفا [٩] بِبِيضٍ نُطِيرُ الهامَ عَنْ مُسْتَقَرِّها … ونَقْطِفُ أعْناقَ الكُماةِ بِها قَطْفا [١] فَكائِنْ تَرَكْنا مِن قَتِيلٍ مُلَحَّبٍ … وأرْمَلَةٍ تَدْعُو عَلى بَعْلِها لَهْفا [٢]

رِضا اللَّهِ نَنْوِي لا رِضا النّاسِ نَبْتَغِي … وللَّه ما يَبْدُو جَمِيعًا وما يَخْفى
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.466-465.
وقالَ عَبّاسُ بْنُ مرداس أيْضا:

يا أيّها الرَّجُلُ الَّذِي تَهْوِي بِهِ … وجْناءُ مُجْمَرَةُ المَناسِمِ عِرْمِسُ [٨] إمّا أتَيْتَ عَلى النَّبِيِّ فَقُلْ لَهُ … حَقًّا عَلْيَكَ إذا اطْمَأنَّ المَجْلِسُ يا خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطِيَّ ومَن مَشى … فَوْقَ التُّرابِ إذا تُعَدُّ الأنْفُسُ إنّا وفَيْنا بِاَلَّذِي عاهَدْتَنا … والخَيْلُ تُقْدَعُ بِالكُماةِ وتُضْرَسُ [١] إذا سالَ مِن أفْناءِ بُهْثَةَ كُلِّها … جَمْعٌ تَظَلُّ بِهِ المَخارِمُ تَرْجُسُ [٢] حَتّى صَبَحْنا أهْلَ مَكَّةَ فَيْلَقًا … شَهْباءَ يَقْدُمُها الهُمامُ الأشْوَسُ [٣] مِن كُلِّ أغْلَبَ مِن سُلَيْمٍ فَوْقَهُ … بَيْضاءُ مُحْكَمَةُ الدِّخالِ وقَوْنَسُ [٤] يُرْوِي القَناةَ إذا تَجاسَرَ فِي الوَغى … وتَخالُهُ أسَدًا إذا ما يَعْبِسُ يَغْشى الكَتِيبَةَ مُعْلِمًا وبِكَفِّهِ … عَضْبٌ يَقُدُّ بِهِ ولَدْنٌ مِدْعَسُ [٥] وعَلى حُنَيْنٍ قَدْ وفى مِن جَمْعِنا … ألْفٌ أُمِدَّ بِهِ الرَّسُولُ عَرَنْدَسُ [٦] كانُوا أمامَ المُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً … والشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أشْمُسُ [٧] نَمْضِي ويَحْرُسُنا الإلَهُ بِحِفْظِهِ … واَللَّهُ لَيْسَ بِضائِعِ مَن يَحْرُسُ ولَقَدْ حُبِسْنا بِالمَناقِبِ مَحْبِسًا … رَضِىَ الإلَهُ بِهِ فَنِعْمَ المَحْبِسُ [٨] وغَداةَ أوْطاسٍ شَدَدْنا شَدَّةً … كَفَتْ العَدُوَّ وقِيلَ مِنها: يا احْبِسُوا تَدْعُو هَوازِنُ بِالإخاوَةِ بَيْنَنا … ثَدْيٌ تَمُدُّ بِهِ هَوازِنُ أيْبَسُ حَتّى تَرَكْنا جَمْعَهُمْ وكَأنَّهُ … عَيْرٌ تَعاقَبَهُ السِّباعُ مُفَرَّسُ [٩] قالَ ابْنُ هِشامٍ: أنْشَدَنِي خَلَفٌ الأحْمَرُ قَوْلَهُ: «وقِيلَ مِنها يا احْبِسُوا». قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ أيْضًا: نَصَرْنا رَسُولَ اللَّهِ مِن غَضَبٍ لَهُ … بِألْفِ كَمِيٍّ لا تُعَدُّ حَواسِرُهْ [١٠] حَمَلْنا لَهُ فِي عامِلِ الرُّمْحِ رايَةً … يَذُودُ بِها فِي حَوْمَةِ المَوْتِ ناصِرُهْ [١] ونَحْنُ خَضَبْناها دَمًا فَهْوَ لَوْنُها … غَداةَ حُنَيْنٍ يَوْمَ صَفْوانُ شاجِرُهْ [٢] وكُنّا عَلى الإسْلامِ مَيْمَنَةً لَهُ … وكانَ لَنا عَقْدُ اللِّواءِ وشاهِرُهْ وكُنّا لَهُ دُونَ الجُنُودِ بِطانَةً … يُشاوِرُنا فِي أمْرِهِ ونُشاوِرُهْ دَعانا فَسَمّانا الشِّعارَ مُقَدَّمًا … وكُنّا لَهُ عَوْنًا عَلى مَن يُناكِرُهْ [٣]

جَزى اللَّهُ خَيْرًا مِن نَبِيٍّ مُحَمَّدًا … وأيَّدَهُ بِالنَّصْرِ واَللَّهُ ناصِرُهْ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.468-467.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ أيْضًا:

مَن مُبْلِغُ الأقْوامِ أنَّ مُحَمَّدًا … رَسُولَ الإلَهِ راشِدٌ حَيْثُ يَمَّما [٤] دَعا رَبَّهُ واسْتَنْصَرَ اللَّهَ وحْدَهُ … فَأصْبَحَ قَدْ وفّى إلَيْهِ وأنْعَما سَرَيْنا وواعَدْنا قُدَيْدًا مُحَمَّدًا … يَؤُمُّ بِنا أمْرًا مِن اللَّهِ مُحْكَما تَمارَوْا بِنا فِي الفَجْرِ حَتّى تَبَيَّنُوا … مَعَ الفَجْرِ فِتْيانًا وغابًا مُقَوَّمًا [٥] عَلى الخَيْلِ مَشْدُودًا عَلَيْنا دُرُوعُنا … ورَجْلًا كَدُفّاعِ الأتِيِّ عَرَمْرَما [٦] فَإنَّ سَراةَ الحَيِّ إنْ كُنْتَ سائِلًا … سُلَيْمٌ وفِيهِمْ مِنهُمْ مَن تَسَلَّما [٧] وجُنْدٌ مِن الأنْصارِ لا يَخْذُلُونَهُ … أطاعُوا فَما يَعْصُونَهُ ما تَكَلَّما فَإنْ تَكُ قَدْ أمَّرْتَ فِي القَوْمِ خالِدًا … وقَدَّمْتَهُ فَإنَّهُ قَدْ تَقَدَّما بِجُنْدٍ هَداهُ اللَّهُ أنْتَ أمِيرُهُ … تُصِيبُ بِهِ فِي الحَقِّ مَن كانَ أظْلَما حَلَفْتُ يَمِينًا بَرَّةً لِمُحَمَّدٍ … فَأكْمَلْتُها ألْفًا مِن الخَيْلِ مُلْجَما وقالَ نَبِيُّ المُؤْمِنِينَ تَقَدَّمُوا … وحُبَّ إلَيْنا أنْ نَكُونَ المُقَدَّما وبِتْنا بِنَهْيِ المُسْتَدِيرِ ولَمْ يَكُنْ … بِنا الخَوْفُ إلّا رَغْبَةً وتحزّما أطَعْناكَ حَتّى أسْلَمَ النّاسُ كُلُّهُمْ … وحَتّى صَبَحْنا الجَمْعَ أهْلَ يَلَمْلَما [١] يَضِلُّ الحِصانُ الأبْلَقُ الوَرْدُ وسْطَهُ … ولا يَطْمَئِنُّ الشَّيْخُ حَتّى يُسَوَّما [٢] سَمَوْنا لَهُمْ وِرْدَ القَطا زَفَّهُ ضُحى … وكُلٌّ تَراهُ عَنْ أخِيهِ قَدَ احْجَما [٣] لَدُنْ غُدْوَةً حَتّى تَرَكْنا عَشِيَّةً … حُنَيْنًا وقَدْ سالَتْ دَوافِعُهُ دَما [٤] إذا شِئْتَ مِن كُلٍّ رَأيْتَ طِمِرَّةً … وفارِسَها يَهْوِى ورُمْحًا مُحَطَّما [٥]

وقَدْ أحْرَزَتْ مِنّا هَوازِنُ سَرْبَها … وحُبَّ إلَيْها أنْ نَخِيبَ ونُحْرَما [٦]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.470.
(شِعْرُ أبِي ثَوابٍ فِي هِجاءِ قُرَيْشٍ):

وقالَ أبُو ثَوابٍ زَيْدُ بْنُ صُحارٍ، أحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ: ألا هَلْ أتاكَ أنْ غَلَبَتْ قُرَيْشٌ … هَوازِنَ والخُطُوبُ لَها شُرُوطُ وكُنّا يا قُرَيْشُ إذا غَضِبْنا … يَجِيءُ مِن الغِضابِ دَمٌ عَبِيطُ [٣] وكُنّا يا قُرَيْشُ إذا غَضِبْنا … كَأنَّ أُنُوفَنا فِيها سَعُوطُ [٤] فَأصْبَحْنا تَسَوَّقُنا قُرَيْشٌ … سِياقَ العِيرِ يَحْدُوها النَّبِيطُ [٥] فَلا أنا إنْ سُئِلْتُ الخَسْفَ آبٍ … ولا أنا أنْ ألِينَ لَهُمْ نَشِيطُ [٦] سَيُنْقَلُ لَحْمُها فِي كُلِّ فَجٍّ … وتُكْتَبُ فِي مَسامِعِها القُطُوطُ [٧] ويُرْوى «الخُطُوطُ»، وهَذا البَيْتُ فِي رِوايَةِ أبِي سَعْدٍ [٨]. قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويُقالُ: أبُو ثَوابٍ زِيادُ بْنُ ثَوابٍ. وأنْشَدَنِي خَلَفٌ الأحْمَرُ قَوْلُهُ: « يَجِيءُ مِن الغِضابِ دَمٌ عَبِيطُ

»، وآخِرَها بَيْتًا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحاقَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.476.
(مَسِيرُ الرَّسُولِ إلى الطّائِفِ وشِعْرُ كَعْبٍ):

ثُمَّ سارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى الطّائِفِ حِينَ فَرَغَ مِن حُنَيْنٍ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، حِينَ أجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّيْرَ إلى الطّائِفِ: قَضَيْنا مِن تِهامَةَ كُلَّ رَيْبٍ … وخيبر ثمَّ أجممنا السُّيُوفا [١] نُخَيِّرُها ولَوْ نَطَقَتْ لَقالَتْ … قَواطِعُهُنَّ: دَوْسًا أوْ ثَقِيفًا [٢] فَلَسْتُ لِحاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْها … بِساحَة داركم منّا أُلُوفا [٣] ونَنْتَزِعُ العُرُوشَ بِبَطْنِ وجٍّ … وتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنكُمْ خُلُوفا [٤] ويَأْتِيكُمْ لَنا سَرَعانُ خَيْلٍ … يُغادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفا [٥] إذا نَزَلُوا بِساحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ … لَها مِمّا أناخَ بِها رَجِيفا [٦] بِأيْدِيهِمْ قَواضِبُ مُرْهَفاتٌ … يُزِرْنَ المُصْطَلِينَ بِها الحُتُوفا [٧] كَأمْثالِ العَقائِقِ أخْلَصَتْها … قُيُونُ الهِنْدِ لَمْ تُضْرَبْ كَتِيفا [٨] تَخالُ جَدِيَّةَ الأبْطالِ فِيها … غَداةَ الزَّحْفِ جادِيًّا مَدُوفا [٩] أجِدَّهُمْ ألَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ … مِن الأقْوامِ كانَ بِنا عَرِيفا [١٠] يُخَبِّرُهُمْ بِأنّا قَدْ جَمَعْنا … عِتاقَ الخَيْلِ والنُّجُبَ الطُّرُوفا [١١] وأنّا قد أتيناهم يزحف … يُحِيطُ بِسُورِ حِصْنِهِمْ صُفُوفا [١] رَئِيسُهُمْ النَّبِيُّ وكانَ صُلْبًا … نَقِيَّ القَلْبِ مُصْطَبِرًا عَزُوفا [٢] رَشِيدُ الأمْرِ ذُو حُكْمٍ وعِلْمٍ … وحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفا [٣] نُطِيعُ نَبِيَّنا ونُطِيعُ رَبًّا … هُوَ الرَّحْمَنُ كانَ بِنا رَءُوفا فَإنْ تُلْقُوا إلَيْنا السِّلْمَ نَقْبَلْ … ونَجْعَلْكُمْ لَنا عَضُدًا ورِيفا [٤] وإنْ تَأْبَوْا نُجاهِدْكُمْ ونَصْبِرْ … ولا يَكُ أمْرُنا رَعِشًا ضَعِيفا [٥] نُجالِدُ ما بَقِينا أوْ تُنِيبُوا … إلى الإسْلامِ إذْعانًا مُضِيفا [٦] نُجاهِدُ لا نُبالِي مَن لَقِينا … أأهْلَكْنا التِّلادَ أمْ الطَّرِيفا [٧] وكَمْ مِن مَعْشَرٍ ألَبُوا عَلَيْنا … صَمِيمَ الجِذْمِ مِنهُمْ والحَلِيفا [٨] أتَوْنا لا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفاء … فَجَدَّعْنا المَسامِعَ والأُنُوفا [٩] بِكُلِّ مُهَنَّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ … يَسُوقُهُمْ بِها سَوْقًا عَنِيفا [١٠] لِأمْرِ اللَّهِ والإسْلامِ حَتّى … يَقُومَ الدِّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفا وتُنْسى اللّاتُ والعُزّى ووَدٌّ … ونَسْلُبُها القَلائِدَ والشُّنُوفا [١١]

فَأمْسَوْا قَدْ أقَرُّوا واطْمَأنُّوا … ومَن لا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ [١٢] خُسُوفا [١٣]
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.480-478.
(تَخَوُّفُ بَجِيرٍ عَلى أخِيهِ كَعْبٍ ونَصِيحَتُهُ لَهُ): ولَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِن مُنْصَرَفِهِ عَنْ الطّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى إلى أخِيهِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُخْبِرُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ رِجالًا بِمَكَّةَ، مِمَّنْ كانَ يَهْجُوهُ ويُؤْذِيهِ، وأنَّ مَن بَقِيَ مِن شُعَراءِ قُرَيْشٍ، ابْنَ الزِّبَعْرى وهُبَيْرَةَ بْنَ أبِي وهْبٍ، قَدْ هَرَبُوا فِي كُلِّ وجْهٍ، فَإنْ كانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حاجَةٌ، فَطِرْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَإنَّهُ لا يَقْتُلُ أحَدًا جاءَهُ تائِبًا، وإنْ أنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فانْجُ إلى نَجائِكَ [١] مِن الأرْضِ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.501.
(اسْتِرْضاءُ كَعْبٍ الأنْصارَ بِمَدْحِهِ إيّاهُمْ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وقالَ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ: فَلَمّا قالَ كَعْبٌ: «إذا عَرَّدَ السُّودُ التَّنابِيلُ»، وإنَّما يُرِيدُنا مَعْشَرَ الأنْصارِ، لِما كانَ صاحِبُنا صَنَعَ بَهْ ما صَنَعَ [١]، وخَصَّ المُهاجِرِينَ مِن قُرَيْشٍ مِن أصْحابِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ. وسلم بِمِدْحَتِهِ، غَضِبَتْ عَلَيْهِ الأنْصارُ، فَقالَ بَعْدَ أنْ أسْلَمَ يَمْدَحُ الأنْصارَ، ويَذْكُرُ بَلاءَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ومَوْضِعَهُمْ مِن اليَمَنِ: مَن سَرَّهُ كَرْمُ الحَياةِ فَلا يَزَلْ … فِي مِقْنَبٍ مِن صالِحِي الأنْصارِ [٢] ورِثُوا المَكارِمَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ … إنّ الخِيارَ هُمْ بَنُو الأخْيارِ المُكْرِهِينَ السَّمْهَرِيَّ بِأذْرُعٍ … كَسَوالِفِ الهِنْدِيِّ غَيْرَ قِصارِ [٣] والنّاظِرِينَ بِأعْيُنٍ مُحْمَرَّةٍ … كالجَمْرِ غَيْرَ كَلَيْلَةِ الأبْصارِ والبائِعِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيِّهِمْ … لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعانُقٍ وكِرارِ والقائِدِينَ [٤] النّاسَ عَنْ أدْيانِهِمْ … بِالمَشْرَفِيِّ وبِالقَنا الخَطّارِ [٥] يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسْكًا لَهُمْ … بِدِماءِ مَن عَلِقُوا مِن الكُفّارِ دَرِبُوا كَما دَرِبَتْ بِبَطْنٍ خَفِيَّةٍ … غُلْبُ الرِّقابِ مِن الأسْوَدِ ضَوارِي [٦] وإذا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إلَيْهِمْ … أصْبَحْتَ عِنْدَ مَعاقِلِ الأعْفارِ [١] ضَرَبُوا عَلِيًّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً … دانَتْ لِوَقْعَتِها جَمِيعُ نِزارِ [٢] لَوْ يَعْلَمُ الأقْوامُ عِلْمِي كُلَّهُ … فِيهِمْ لَصَدَّقَنِي الَّذِينَ أُمارِي [٣] قَوْمٌ إذا خَوَتْ النُّجُومُ فَإنَّهُمْ … لِلطّارِقِينَ النّازِلِينَ مَقارِي [٤] فِي الغُرِّ مِن غَسّانَ مِن جُرْثُومَةٍ … أعْيَتْ مَحافِرُها عَلى المِنقارِ [٥] قالَ ابْنُ هِشامٍ: ويُقالُ إنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قالَ لَهُ حَيْنَ أنْشَدَهُ: «بانَتْ سُعادُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ »: لَوْلا ذَكَرْتُ الأنْصارَ بِخَيْرِ، فَإنَّهُمْ لِذَلِكَ أهْلٌ، فَقالَ كَعْبٌ هَذِهِ الأبْياتَ، وهِيَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قالَ ابْنُ هِشامٍ: وذَكَرَ لِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ أنَّهُ قالَ: أنْشَدَ كَعْبُ ابْن زُهَيْرٍ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ: «بانَتْ سُعادٌ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ [٦]

»
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.515-514.
غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ

(أمْرُ الرَّسُولِ النّاسَ بِالتَّهَيُّؤِ لِتَبُوكَ):

قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنِ هِشامٍ، قالَ زِيادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَكّائِيَّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المُطَّلِبِيِّ، قالَ: ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمَدِينَةِ ما بَيْنَ ذِي الحَجَّةِ إلى رَجَبٍ، ثُمَّ أمَرَ النّاسَ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ. وقَدْ ذَكَرَ لَنا الزُّهْرِيُّ ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وعاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وغَيْرُهُمْ مِن عُلَمائِنا، كُلٌّ حَدَّثَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ما بَلَغَهُ عَنْها، وبَعْضُ القَوْمِ يُحَدِّثُ ما لا يُحَدِّثُ بَعْضٌ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَ أصْحابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وذَلِكَ فِي زَمانٍ مِن عُسْرَةِ النّاسِ، وشِدَّةٍ مِن الحَرِّ، وجَدْبٍ مِن البِلادِ: وحِينَ طابَتْ الثِّمارُ، والنّاسُ يُحِبُّونَ المُقامَ فِي ثِمارِهِمْ وظِلالِهِمْ، ويَكْرَهُونَ الشُّخُوصَ عَلى الحالِ مِن الزَّمانِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَلَّما يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْها، وأخْبَرَ أنَّهُ يُرِيدُ غَيْرَ الوَجْهِ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ [١]، إلّا ما كانَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإنَّهُ بَيَّنَها لِلنّاسِ، لِبُعْدِ الشُّقَّةِ [٢]، وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَثْرَةِ العَدُوِّ الَّذِي يَصْمُدُ لَهُ، لِيَتَأهَّبَ النّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، فَأمَرَ النّاسَ بِالجِهازِ، وأخْبَرَهُمْ أنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.516-515.
(حَدِيثُ أسْرِ أُكَيْدِرٍ ثُمَّ مُصالَحَتُهُ):

ثُمَّ إنّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَبَعَثَهُ إلى أُكَيْدِرِ دَوْمَةَ، وهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، رَجُلٌ مِن كِنْدَةَ كانَ مَلِكًا عَلَيْها، وكانَ نَصْرانِيًّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِخالِدِ: إنّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ البَقَرَ. فَخَرَجَ خالِدٌ، حَتّى إذا كانَ مِن حِصْنِهِ بِمَنظَرِ العَيْنِ، وفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صائِفَةٍ، وهُوَ عَلى سَطْحٍ لَهُ، ومَعَهُ امْرَأتُهُ، فَباتَتْ البَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِها بابَ القَصْرِ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتُهُ: هَلْ رَأيْتُ مِثْلَ هَذا قَطُّ؟ قالَ: لا واَللَّهِ! قالَتْ: فَمَن يَتْرُكُ هَذِهِ؟ قالَ: لا أحَدَ. فَنَزَلَ فَأمَرَ بِفَرَسِهِ، فَأُسْرِجَ لَهُ، ورَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، فِيهِمْ أخٌ يُقالُ لَهُ حَسّانُ. فَرَكِبَ، وخَرَجُوا مَعَهُ بِمُطارِدِهِمْ. فَلَمّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأخَذَتْهُ، وقَتَلُوا أخاهُ، وقَدْ كانَ عَلَيْهِ قَباءٌ مِن دِيباجٍ مُخَوَّصٌ بِالذَّهَبِ، فاسْتَلَبَهُ خالِدٌ، فَبَعَثَ بِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ قُدُومِهِ بِهِ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنَ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي عاصِم بن عَمْرو بْنُ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: رَأيْتُ قَباءَ أُكَيْدِرٍ حِينَ قَدِمَ بِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ المُسْلِمُونَ يَلْمِسُونَهُ بِأيْدِيهِمْ، ويَتَعَجَّبُونَ مِنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أتَعْجَبُونَ من هَذا؟ فو الّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمَنادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فِي الجَنَّةِ أحْسَنُ مِن هَذا. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ إنّ خالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وصالَحَهُ عَلى الجِزْيَةِ، ثُمَّ خَلّى سَبِيلَهُ، فَرَجَعَ إلى قَرْيَتِهِ
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.526.
غَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ الخِطْمِيِّ لِقَتْلِ عَصْماءَ بِنْتَ مَرْوانَ

(نِفاقُها وشِعْرُها فِي ذَلِكَ): وغَزْوَةُ عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ الخِطْمِيِّ عَصْماءَ بِنْتَ مَرْوانَ، وهِيَ مِن بَنِي أُمَيَّةَ ابْن زَيْدٍ، فَلَمّا قُتِلَ أبُو عَفَكٍ نافَقَتْ، فَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ الفُضَيْلِ عَنْ أبِيهِ، قالَ: وكانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِن بَنِي خَطْمَةَ، ويُقالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقالَتْ، تَعِيبُ الإسْلامَ وأهْلَهُ: بِاسْتِ بَنِي مالِكٍ والنَّبِيتِ … وعَوْفٍ وبِاسْتِ بَنِي الخَزْرَجِ أطَعْتُمْ أتاوِيَّ مِن غَيْرِكُمْ … فَلا مِن مُرادٍ ولا مَذْحِجِ [١] تَرْجُونَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرُّءُوسِ … كَما يُرْتَجى مَرَقُ المُنْضَجِ [٢] ألا أنِفٌ يَبْتَغِيَ غِرَّةُ … فَيَقْطَعُ مِن أمَلِ المُرْتَجِي [٣] (شِعْرُ حَسّانَ فِي الرَّدِّ عَلَيْها): قالَ: فَأجابَها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، فَقالَ: بَنُو وائِلٍ وبَنُو واقِفٍ … وخَطْمَةُ دُونَ بَنِي الخَزْرَجِ مَتى ما دَعَتْ سَفَهًا ويْحَها … بِعَوْلَتِها والمَنايا تَجِي [٤] فَهَزَّتْ فَتًى ماجِدًا عِرْقُهُ … كَرِيمُ المَداخِلِ والمَخْرَجِ فَضَرَّجَها من نجيع الدّماء … بَعْدَ الهُدُوِّ فَلَمْ يَحْرَجْ [٥] (خُرُوجُ الخِطْمِيِّ لَقَتْلِها): فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَلَغَهُ ذَلِكَ، ألا آخِذٌ [٦] لِي مِن ابْنَةِ مَرْوانَ؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُمَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ الخِطْمِيُّ، وهُوَ عِنْدَهُ، فَلَمّا أمْسى مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ سَرى عَلَيْها فِي بَيْتِها فَقَتَلَها، ثُمَّ أصْبَحَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي قَدْ قَتَلْتها. فَقالَ نَصَرْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ يا عُمَيْرُ، فَقالَ: هَلْ عَلَيَّ شَيْءٌ مِن شَأْنِها يا رَسُولَ اللَّهِ؟

فَقالَ: لا يَنْتَطِحُ فِيها عَنْزانِ [٧].
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.637-636.
(شِعْرُ حَسّانٍ فِي الرَّدِّ عَلى هُبَيْرَةَ):

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَأجابَهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، فَقالَ: سُقْتُمْ كِنانَةَ جَهْلًا مِن سَفاهَتِكُمْ … إلى الرَّسُولِ فَجُنْدُ اللَّهِ مُخْزِيها أوْرَدْتُمُوها حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً … فالنّارُ مَوْعِدُها، والقَتْلُ لاقِيها [١] جَمَّعْتُمُوها أحابِيشًا بِلا حَسَبٍ … أئِمَّةَ الكُفْرِ غَرَّتْكُمْ طَواغِيها [٢] ألا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللَّهِ إذْ قَتَلَتْ … أهْلَ القَلِيبِ ومَن ألْقَيْنَهُ فِيها [٣] كَمْ مِن أسِيرٍ فَكَكْناهُ بِلا ثَمَنٍ … وجَزِّ ناصِيَةٍ كُنّا مَوالِيها [٤] قالَ ابْنُ هِشامٍ: أنْشَدَنِيها أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ: قالَ ابْنُ هِشامٍ: وبَيْتُ هُبَيْرَةَ بْنِ أبِي وهْبٍ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: ولَيْلَةٍ يَصْطَلِي بِالفَرْثِ جازِرُها … يَخْتَصُّ بِالنَّقَرى المُثَرِينَ داعِيها

يُرْوى لِجَنُوبٍ، أُخْتِ عَمْرِو ذِي الكَلْبِ الهُذَلِيِّ، فِي أبْياتٍ لَها فِي غَيْرِ يَوْمِ أُحُدٍ.
ابن هشام (ت 833). سيرة ابن هشام ت السقا. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.132-131.

الطبري

فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبا قبيحا وتم حمزة على إسلامه، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ص قد عز، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن رسول الله ص بعض ما كانوا ينالون مِنهُ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.334.
أسلم- وكان رجلا جلدا جليدا منيعا، وكان قد اسلم قبل ذلك حمزه ابن عبد المطلب، ووجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفسهم قوة
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.335.
قالَ أبُو جَعْفَرٍ: فَلَمّا أذِنَ اللَّهُ ﷿ لرسوله ص في القِتالِ، ونَزَلَ قَوْلُهُ: «وقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ»، وبايَعَهُ الأنْصارُ عَلى ما وصَفْتُ مِن بَيْعَتِهِمْ، امر رسول الله ص أصْحابَهُ مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالهِجْرَةِ والخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، واللُّحُوقِ بِإخْوانِهِمْ مِنَ الأنْصارِ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.369-368.
فَقالَ القَوْمُ: واللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُ القَوْمَ هَذِهِ الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن بِهِ مِنكُمْ، ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلَنَّهُمْ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ فَتَرَدَّدَ القَوْمُ، وهابُوا الإقْدامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ تَشَجَّعُوا عَلَيْهِمْ، وأجْمَعُوا عَلى قَتْلِ مَن قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنهُمْ، وأخْذِ ما مَعَهُمْ، فَرَمى واقِدُ بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، واسْتَأْسَرَ عُثْمانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ والحَكَمَ بْنَ كَيْسانَ، وأفْلَتَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأعْجَزَهُمْ، وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وأصْحابُهُ بِالعِيرِ والأسِيرَيْنِ، حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ الله ص بِالمَدِينَةِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.412.
قالَ: وفِيها غَنِمَ جَمَلَ أبِي جَهْلٍ، وكانَ مَهْرِيًّا يَغْزُو عَلَيْهِ ويَضْرِبُ فِي لِقاحِهِ. قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ أقامَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِالمَدِينَةِ، مُنْصَرفَهُ مِن بَدْرٍ، وكانَ قَدْ وادَعَ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ يَهُودَها، عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلَيْهِ أحَدًا، وإنَّهُ إنْ دَهَمَهُ بِها عدو نصروه فلما قتل رسول الله ص مَن قَتَلَ بِبَدْرٍ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، أظْهَرُوا لَهُ الحَسَدَ والبَغْيَ، وقالُوا: لَمْ يَلْقَ مُحَمَّدُ مَن يُحْسِنُ القِتالَ، ولَوْ لَقِيَنا لاقى عِنْدَنا قِتالا لا يُشْبِهُهُ قِتالُ أحَدٍ، وأظْهَرُوا نَقْضَ العَهْدِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص479.
قالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: نزل جبريل على رسول الله ص بِهَذِهِ الآيَةِ: «وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ»، فلما فرغ جبريل ع من هذه الآية، قال رسول الله ص، إنِّي أخافُ مِن بَنِي قَيْنُقاعٍ، قالَ عُرْوَةُ: فسار اليهم رسول الله ص بِهَذِهِ الآيَةِ. قالَ الواقدي: وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، قالَ: حاصرهم رسول الله ص خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لا يَطْلُعُ مِنهُمْ أحَدٌ ثم نزلوا على حكم رسول الله ص، فَكُتِّفُوا وهُوَ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ، فَكَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.480.
فاحْتَمَلْناهُ فَجِئْنا بِهِ رَسُولَ الله ص آخِرَ اللَّيْلِ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي، فَسَلَّمْنا عَلَيْهِ، فَخَرَجَ إلَيْنا، فَأخْبَرْناهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ، وتَفِلَ عَلى جُرْحِ صاحِبِنا، ورَجَعْنا إلى أهْلِنا، فَأصْبَحْنا وقَدْ خافَتْ يَهُودُ بِوَقْعَتِنا بِعَدُوِّ اللَّهِ، فَلَيْسَ بِها يَهُودِيٌّ إلّا وهُوَ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ قال: فقال رسول الله ص: مَن ظَفِرْتُمْ بِهِ مِن رِجالِ يَهُودَ فاقْتُلُوهُ، فَوَثَبَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ عَلى ابْنِ سُنَيْنَةَ- رَجُلٍ مِن تُجّارِ يَهُودَ كانَ يُلابِسُهُمْ ويُبايِعُهُمْ فَقَتَلَهُ- وكانَ حُوَيْصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إذْ ذاكَ لَمْ يُسْلِمْ، وكانَ أسَنَّ مِن مُحَيِّصَةَ- فَلَمّا قَتَلَهُ جَعَلَ حُوَيْصَةُ يَضْرِبُهُ ويَقُولُ: أيْ عَدُوَّ اللَّهِ! قَتَلْتَهُ! أما واللَّهِ لَرُبَّ شَحْمٍ فِي بَطْنِكَ مِن مالِهِ! قالَ مُحَيِّصَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: واللَّهِ لَوْ أمَرَنِي بِقَتْلِكَ مَن أمَرَنِي بِقَتْلِهِ لضربت عنقك قال: فو الله إنْ كانَ لأوَّلَ إسْلامِ حُوَيْصَةَ، وقالَ: لَوْ أمَرَكَ مُحَمَّدٌ بِقَتْلِي لَقَتَلْتَنِي! قالَ: نَعَمْ واللَّهِ، لَوْ أمَرَنِي بِقَتْلِكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ قالَ: واللَّهِ إنَّ دِينًا بَلَغَ بِكَ هَذا لَعَجَبٌ! فَأسْلَمَ حُوَيْصَةُ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.491.
مقتل أبي رافع اليهودي

قال أبو جعفر: وفي هذه السنة كان مقتل أبي رافع اليهودي- فيما قيل- وكان سبب قتله، أنه كان- فيما ذكر عنه- يظاهر كعب بن الأشرف على رسول الله ص، فوجه اليه- فيما ذكر- رسول الله ص في النصف من جمادى الآخرة من هذه السنه عبد الله بن عتيك، فحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، قال: حَدَّثَنا مُصْعَبُ بْنُ المِقْدامِ، قالَ: حَدَّثَنِي إسْرائِيلُ، قالَ: حَدَّثَنا أبُو إسْحاقَ، عَنِ البَراءِ، قالَ: بعث رسول الله ص إلى أبِي رافِعٍ اليَهُودِيِّ- وكانَ بِأرْضِ الحِجازِ- رِجالًا مِنَ الأنْصارِ، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بن عقبة- أو عبد الله بن عتيك- وكان أبو رافع يؤذى رسول الله ص ويَبْغِي عَلَيْهِ، وكانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأرْضِ الحِجازِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنهُ وقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وراحَ النّاسُ بِسَرْحِهِمْ، قالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بن عقبة- أو عبد الله بن عَتِيكٍ: اجْلِسُوا مَكانَكُمْ، فَإنِّي أنْطَلِقُ وأتَلَطَّفُ لِلْبَوّابِ، لَعَلِّي أدْخُلُ! قالَ: فَأقْبَلَ حَتّى إذا دَنا مِنَ البابِ، تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، كَأنَّهُ يَقْضِي حاجَةً، وقَدْ دَخَلَ النّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ البَوّابُ يا عَبْدَ اللَّهِ، إنْ كُنْتَ تُرِيدُ أنْ تَدْخُلَ فادْخُلْ، فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أُغْلِقَ البابَ قالَ: فَدَخَلْتُ فَكَمَنتُ تَحْتَ آرِيِّ حِمارٍ، فَلَمّا دَخَلَ النّاسُ أغْلَقَ البابَ ثُمَّ عَلَّقَ الأقالِيدَ عَلى ودٍّ قالَ: فَقُمْتُ إلى الأقالِيدِ فَأخَذْتُها، فَفَتَحْتُ البابَ، وكانَ أبُو رافِعٍ يَسْمُرُ عِنْدَهُ فِي عَلالِيٍّ، فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُ أهْلُ سَمَرِهِ، فَصَعِدْتُ إلَيْهِ فَجَعَلْتُ كُلَّما فَتَحْتُ بابًا أغْلَقْتُهُ عَلَيَّ مِن داخِلٍ قُلْتُ: إنَّ القَوْمَ نَذَرُوا بِي لَمْ يَخْلُصُوا إلَيَّ حَتّى أقْتُلَهُ قالَ: فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ، فَإذا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ وسَطَ عِيالِهِ، لا أدْرِي أيْنَ هُوَ مِنَ البَيْتِ! قُلْتُ: أبا رافِعٍ! قالَ: مَن هَذا؟ قالَ: فَأهْوَيْتُ نَحْوَ الصَّوْتِ، فَأضْرِبُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، وأنا دهش فما اغنى شَيْئًا وصاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ البَيْتِ ومَكَثْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلْتُ إلَيْهِ، فَقُلْتُ: ما هَذا الصَّوْتُ يا أبا رافِعٍ؟ قالَ: لأُمِّكَ الوَيْلُ! إنَّ رَجُلًا فِي البَيْتِ ضَرَبَنِي قَبْلُ بِالسَّيْفِ، قالَ: فاضْرِبْهُ فَأثْخِنْهُ ولَمْ أقْتُلْهُ قالَ: ثُمَّ وضَعْتُ ضَبِيبَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ، حَتّى أخْرَجْتُهُ مِن ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أنِّي قَدْ قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أفْتَحَ الأبْوابَ بابًا فَبابًا، حَتّى انْتَهَيْتُ إلى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي، وأنا أرى أنِّي انْتَهَيْتُ إلى الأرْضِ، فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فانْكَسَرَتْ ساقِي، قالَ: فَعَصَبْتُها بِعِمامَتِي، ثُمَّ إنِّي انْطَلَقْتُ حَتّى جَلَسْتُ عِنْدَ البابِ، فَقُلْتُ. واللَّهِ لا أبْرَحُ اللَّيْلَةَ حَتّى أعْلَمَ: أقَتَلْتُهُ أمْ لا؟ قالَ: فَلَمّا صاحَ الدِّيكُ، قامَ النّاعِي عَلَيْهِ عَلى السُّورِ، فَقالَ: أنْعى أبا رافِعٍ رَبّاحَ أهْلِ الحِجازِ! قالَ:

فانْطَلَقْتُ إلى أصْحابِي، فَقُلْتُ: النَّجاءَ! قَدْ قَتَلَ اللَّهُ أبا رافِعٍ، فانْتَهَيْتُ الى النبي ص، فَحَدَّثْتُهُ فَقالَ: ابْسُطْ رِجْلَكَ، فَبَسَطْتُها فَمَسَحَها فَكَأنَّما لَمْ أشْتَكِها قَطُّ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.495-493.
حَدَّثَنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قال: كان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله ص تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله ص غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ص في الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها قال:

وإذا فعلت الخزرج شيئا، قالت الأوس مثل ذلك فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ص، قالت الخزرج: لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا قال: فتذاكروا: من رجل لرسول الله ص في العداوة كابن الأشرف! فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ص في قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج ثم من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن الأسود، حليف لهم من أسلم، فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله ص عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة. فخرجوا حتى قدموا خيبر، فأتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا في الدار إلا أغلقوه من خلفهم على أهله، وكان في علية له إليها عجلة رومية، فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: نفر من العرب نلتمس الميرة، قالت:

ذاك صاحبكم فادخلوا عليه، فلما دخلنا أغلقنا عليها وعلينا وعليه باب الحجرة، وتخوفنا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه قال: فصاحت امرأته، ونوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة قال: ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها السيف ثم يذكر نهى رسول الله ص، فيكف يده، ولولا ذاك فرغنا منها بليل، فلما ضربناه بأسيافنا، تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني! قال: ثم خرجنا، وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت رجله وثئا شديدا واحتملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم، فندخل فيه قال: وأوقدوا النيران، واشتدوا في كل وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه، وهو يقضي بينهم قال: فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات! فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم، فانطلق حتى دخل في الناس، قال: فوجدته ورجال يهود عنده، وامرأته في يدها المصباح تنظر في وجهه ثم قالت تحدثهم وتقول: أما والله لقد عرفت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت، فقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد! ثم أقبلت عليه لتنظر في وجهه ثم قالت: فاظ والله يهود! قال: يقول صاحبنا، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها، ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا، فقدمنا على رسول الله ص، وأخبرناه بقتل عدو الله، واختلفنا عنده في قتله، وكلنا يدعيه، [فقال رسول الله ص: هاتوا أسيافكم، فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، ارى فيه اثر الطعام]
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.497-495.
يا رسول الله لا تحرمني الجنه، فو الذى بَعَثَكَ بِالحَقِّ لأدْخُلَنَّ الجَنَّةَ، فَقالَ لَهُ: بِمَ؟ قالَ: بِأنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنِّي لا أفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ قالَ: صَدَقْتَ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ ان رسول الله ص دَعا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَها، فَلَمّا رَأوْهُ قَدْ لَبِسَ السِّلاحَ نَدِمُوا وقالُوا: بِئْسَ ما صَنَعْنا! نُشِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ والوَحْيُ يَأْتِيهِ! فَقامُوا فاعْتَذَرُوا إلَيْهِ، وقالُوا: اصْنَعْ ما رَأيْتَ، [فَقالَ رَسُولُ الله ص: لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَها حتى يقاتل] فخرج رسول الله ص إلى أُحُدٍ فِي ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا فَلَمّا خَرَجَ رَجَعَ عَبْدُ الله بن ابى بن سلول في ثلاثمائه، فَتَبِعَهُمْ أُبو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، قالَ اللَّهُ ﷿: «إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكُمْ أنْ تَفْشَلا» فَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ وبَنُو حارِثَةَ، هَمُّوا بِالرُّجُوعِ حِينَ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَعَصَمَهُمُ الله ﷿، وبقي رسول الله ص في سبعمائة.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.504-503.
فَقالَ أبُو حَثْمَةَ أخُو بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدَّمَهُ فَنَفَذَ بِهِ فِي حَرَّةِ بَنِي حارِثَةَ وبَيْنَ أمْوالِهِمْ حَتّى سَلَكَ بِهِ فِي مالِ المِرْبَعِ بْنِ قَيْظِيٍّ- وكانَ رَجُلًا مُنافِقًا ضَرِيرَ البَصَرِ- فلما سمع حس رسول الله ص ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، قامَ يَحْثِي فِي وُجُوهِهِمُ التُّرابَ، ويَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ، فَإنِّي لا أُحِلُّ لَكَ أنْ تَدْخُلَ حائِطِي، قالَ: وقَدْ ذُكِرَ لِي أنَّهُ أخَذَ حَفْنَةً مِن تُرابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قالَ: لَوْ أعْلَمُ أنِّي لا أُصِيبُ بِها غَيْرَكَ يا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِها وجْهَكَ فابْتَدَرَهُ القَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ، [فقال رسول الله ص: لا تَفْعَلُوا، فَهَذا الأعْمى البَصَرِ، الأعْمى القَلْبِ] وقَدْ بَدَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ حِينَ نَهى رَسُولُ اللَّهِ ص عنه، فَضَرَبَهُ بِالقَوْسِ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، ومَضى رَسُولُ الله ص عَلى وجْهِهِ، حَتّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِن أُحُدٍ فِي عُدْوَةِ الوادِي إلى الجَبَلِ، فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى أُحُدٍ، وقالَ: لا يُقاتِلَنَّ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وقَدْ سَرَحَتْ قُرَيْشٌ الظَّهْرَ والكُراعَ فِي زُرُوعٍ كانَتْ بِالصَّمْغَةِ مِن قَناةٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.507-506.
حَدَّثَنا ابْنُ بَشّارٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، كُسِرَتْ رَباعِيَةُ رسول الله ص وشُجَّ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلى وجْهِهِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وجْهِهِ، [ويَقُولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وهُوَ يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ ﷿!] فَأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: «لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ» الآيَةَ.

قالَ أبُو جَعْفَرٍ: [وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ص حِينَ غَشِيَهُ القَوْمُ: مَن رَجُلٌ يَشْرِي لَنا نَفْسَهُ!] فَحَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، قال: حدثني مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي الحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، قالَ: فَقامَ زِيادُ بْنُ السَّكَنِ فِي نَفَرٍ خَمْسَةٍ مِنَ الأنْصارِ، وبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ: إنَّما هُوَ عُمارَةُ بْنُ زياد ابن السكن، فقاتلوا دون رسول الله ص رَجُلا، ثُمَّ رَجُلا، يُقْتَلُونَ دُونَهُ، حَتّى كانَ آخِرَهُمْ زِيادٌ- أوْ عُمارَةُ بْنُ زِيادِ بْنِ السَّكَنِ- فَقاتَلَ حَتّى أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ، ثُمَّ فاءَتْ مِنَ المُسْلِمِينَ فِئَةٌ حَتّى أجْهَضُوهُمْ عَنْهُ، فَقالَ رسول الله ص: ادنوه منى، فادنوه منه، فوسده قَدَمَهُ، فَماتَ وخَدُّهُ عَلى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ص، وترس دون رسول الله ص أبُو دُجانَةَ بِنَفْسِهِ يَقَعُ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ وهُوَ مُنْحَنٍ عَلَيْهِ، حَتّى كَثُرَتْ فِيهِ النَّبْلُ، ورَمى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ دُونَ رَسُولِ الله ص، فَقالَ سَعْدٌ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ يُناوِلُنِي ويَقُولُ: ارْمِ فِداكَ أبِي وأُمِّي! حَتّى إنَّهُ لَيُناوِلُنِي السَّهْمَ ما فِيهِ نَصْلٌ، فَيَقُولُ: ارْمِ بِهِ! حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، عن محمد بن إسحاق، قال:

حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ان رسول الله ص رَمى عَنْ قَوْسِهِ حَتّى انْدَقَّتْ سِيَتُها، فَأخَذَها قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ، فَكانَتْ عِنْدَهُ، وأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ، حَتّى وقَعَتْ عَلى وجْنَتِهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.515.
وحْشِيٌّ غُلامُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: واللَّهِ إنِّي لانظر الى حمزه يهذ النّاسَ بِسَيْفِهِ، ما يَلِيقُ شَيْئًا يَمُرُّ بِهِ، مِثْلَ الجَمَلِ الأوْرَقِ، إذْ تَقَدَّمَنِي إلَيْهِ سِباعُ بْنُ عَبْدِ العُزّى، فَقالَ لَهُ حَمْزَةُ: هَلُمَّ الى يا بن مُقَطِّعَةِ البُظُورِ! فَضَرَبَهُ، فَكَأنَّما أخْطَأ رَأْسَهُ، وهَزَزْتُ حربتي حتى إذ رَضِيتُ مِنها دَفَعْتُها عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ فِي لُبَّتِهِ حَتّى خَرَجَتْ مِن بَيْنِ رِجْلَيْهِ، وأقْبَلَ نَحْوِي، فَغَلَبَ فَوَقَعَ، فَأمْهَلْتُهُ حَتّى إذا ماتَ جِئْتُ فَأخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَ تَنَحَّيْتُ إلى العَسْكِر، ولَمْ يَكُنْ لِي بِشَيْءٍ حاجَةٌ غَيْرَهُ وقَدْ قَتَلَ عاصِمَ بْنَ ثابِتِ بْنِ أبِي الأقْلَحِ أخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مُسافِعِ بْنِ طَلْحَةَ وأخاهُ كِلابَ بْنَ طَلْحَةَ، كِلاهُما يُشْعِرُهُ سَهْمًا، فَيَأْتِي أُمَّهُ سِلافَةَ فَيَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِها، فَتَقُولُ: يا بُنَيَّ، مَن أصابَكَ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلا حِينَ رَمانِي يَقُولُ: خُذْها وأنا ابْنُ الأقْلَحِ! فَتَقُولُ: أقْلَحِيٌّ! فَنَذَرَتْ لِلَّهِ إنِ اللَّهُ أمْكَنَها مِن رَأْسِ عاصِمٍ أنْ تَشْرَبَ فِيهِ الخمر وكان عاصم قد عاهد الله الا يَمَسَّ مُشْرِكًا أبَدًا ولا يَمَسَّهُ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.517.
حَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني صالح بن كيسان، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: واللَّهِ ما حَرَصْتُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ ما حَرَصْتُ عَلى قَتْلِ عُتْبَةَ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وإنْ كانَ ما عَلِمْتُ لَسَيِّئَ الخُلُقِ، مُبْغَضًا فِي قَوْمِهِ، ولَقَدْ كفاني منه قول رسول الله ص: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى مَن دَمى وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.519.
قالَ أبُو جَعْفَرٍ: وقَدْ كانَ حَنْظَلَةُ بْنُ أبِي عامِرٍ الغَسِيلُ، التَقى هُوَ وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، فَلَمّا اسْتَعْلاهُ حَنْظَلَةُ رَآهُ شَدّادُ بْنُ الأسْوَدِ- وكانَ يُقالُ لَهُ ابْنُ شَعُوبٍ- قَدْ عَلا أبا سُفْيانَ، فَضَرَبَهُ شَدّادٌ فَقَتَلَهُ [فَقالَ رسول الله ص: إنَّ صاحِبَكُمْ- يَعْنِي حَنْظَلَةَ- لَتُغَسِّلُهُ المَلائِكَةُ فَسَلُوا أهْلَهُ: ما شَأْنُهُ؟ فَسُئِلَتْ صاحِبَتُهُ، فَقالَتْ: خَرَجَ وهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الهائِعَةَ، فَقالَ رَسُولُ الله ص: لذلك غسلته الملائكة،]
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.521.
وما زال مهري مزجر الكلب منهم.

وظن أنه يعرض به إذ فر يوم بدر: وإنك لو عاينت ما كان منهم … لأبت بقلب ما بقيت نخيب لدى صحن بدر أو لقامت نوائح … عليك، ولم تحفل مصاب حبيب

جزيتهم يوما ببدر كمثله … على سابح ذي ميعة وشبيب
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.524.
حَدَّثَنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن ابن إسْحاقَ، قالَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزبير، [ان رسول الله ص حِينَ رَأى بِحَمْزَةَ ما رَأى، قالَ: لَوْلا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ أوْ تَكُونَ سُنَّةً مِن بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتّى يَكُونَ فِي أجْوافِ السِّباعِ وحَواصِلِ الطَّيْرِ، ولَئِنْ أنا أظْهَرَنِي اللَّهُ عَلى قُرَيْشٍ فِي مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ لأُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنهُمْ،] فَلَمّا رَأى المسلمون حزن رسول الله ص وغَيْظَهُ عَلى ما فُعِلَ بِعَمِّهِ، قالُوا: واللَّهِ لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهِمْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ مُثْلَةً لَمْ يُمَثِّلْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ بِأحَدٍ قَطُّ!.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.529-528.
قالَ: وكان حاطب شيخا قد عسا فِي الجاهلية، فنجم يومئذ نفاقه، فَقالَ: بأي شيء تبشرونه، أبجنة من حرمل! غررتم والله هذا الغلام من نفسه، وفجعتموني بِهِ! حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بن عمر بن قَتادَةَ، قالَ: كانَ فِينا رَجُلٌ أُتِيَ لا يُدْرى مِن أيْنَ هُوَ، يُقالُ لَهُ قُزْمانُ، فكان رسول الله ص يَقُولُ إذا ذُكِرَ لَهُ: إنَّهُ لَمِن أهْلِ النّارِ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قاتَلَ قِتالا شَدِيدًا، فَقَتَلَ هُوَ وحْدَهُ ثَمانِيَةً مِنَ المُشْرِكِينَ أوْ تِسْعَةً، وكانَ شَهْمًا شُجاعًا ذا بَأْسٍ، فَأثْبَتَتْهُ الجِراحَةَ، فاحْتُمِلَ إلى دارِ بَنِي ظُفَرَ قالَ: فَجَعَلَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَقُولُونَ: واللَّهِ لَقَدْ أبْلَيْتَ اليَوْمَ يا قُزْمانُ، فَأبْشِرْ! قالَ: بم ابشر! فو الله إنْ قاتَلْتُ إلا عَلى أحْسابِ قَوْمِي، ولَوْلا ذَلِكَ ما قاتَلْتُ، فَلَمّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ جِراحَتُهُ، أخَذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ فَقَطَعَ رَواهِشَهُ فَنَزَفَهُ الدم فمات، فاخبر بذلك رسول الله ص، فَقالَ: أشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا! وكانَ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ مُخَيْرِيقٌ اليَهُودِيُّ، وكانَ احد بنى ثعلبه ابن الفِطْيَونِ، لَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ قالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ قالُوا: إنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، فَقالَ: لا سَبْتَ، فَأخَذَ سَيْفَهُ وعُدَّتَهُ، وقالَ: إنْ أُصِبْتُ فَمالِي لِمُحَمَّدٍ يَصْنَعُ فِيهِ ما شاءَ ثُمَّ غَدا إلى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقاتَلَ مَعَهُ حَتّى قُتِلَ، [فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- فِيما بَلَغَنِي: مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودَ].
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.531.
غزوه حمراء الأسد

وكان رجوع رسول الله ص إلى المَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ، وذَلِكَ يَوْمَ الوَقْعَةِ بِأُحُدٍ، فحدثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عبد الله، عن عكرمة، قالَ: كان يوم أحد يوم السبت، للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد- وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال- اذن مؤذن رسول الله ص فِي الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه: ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بْن عبد الله بْن عمرو بن حزام، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني، إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مَعَ رَسُولِ الله ص على نفسي، فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فاذن له رسول الله ص، فخرج معه، وانما خرج رسول الله ص مرهبا للعدو، وليبلغهم أنه خرج فِي طلبهم، ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سلمة، عن مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، أنَّ رَجُلا مِن أصْحابِ رَسُولِ الله ص مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ كانَ شَهِدَ أُحُدًا، قال: شهدت مع رسول الله ص أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ مؤذن رسول الله ص بِالخُرُوجِ فِي طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لأخِي وقالَ لي:

أتفوتنا غزوه مع رسول الله ص! واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مِنّا إلا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ، فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ص- وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ- فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عَقِبَةً ومَشى عَقِبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رسول الله ص، حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهِيَ مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا: الاثْنَيْنِ، والثُّلاثاءُ، والأرْبِعاءُ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.534.
وامر رسول الله ص عَلى القَوْمِ مَرْثَدَ بْنَ أبِي مَرْثَدٍ، فَخَرَجُوا مَعَ القَوْمِ، حَتّى إذا كانُوا عَلى الرَّجِيعِ ماءٌ لُهُذَيْلٍ بِناحِيَةٍ مِنَ الحِجازِ مِن صُدُورِ الهَدْأةِ غَدَرُوا بِهِمْ، فاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلا، فَلَمْ يُرَعِ القَوْمُ وهُمْ فِي رِحالِهِمْ إلا بِالرِّجالِ في ايديهم السيوف، قد غشوهم.

فأخذوا أسيافهم لِيُقاتِلُوا القَوْمَ، فَقالُوا لَهُمْ: إنّا واللَّهِ ما نُرِيدُ قَتْلَكُمْ، ولَكِنّا نُرِيدُ أنْ نُصِيبَ بِكُمْ شَيْئًا مِن أهْلِ مَكَّةَ، ولَكُمْ عَهْدُ اللَّهِ ومِيثاقُهُ ألا نَقْتُلَكُمْ. فاما مَرْثَدٍ وخالِدُ بْنُ البُكَيْرِ وعاصِمُ بْنُ ثابِتِ بْنِ أبِي الأقْلَحِ، فَقالُوا: واللَّهِ لا نَقْبَلُ مِن مُشْرِكٍ عَهْدًا ولا عَقْدًا أبَدًا، فَقاتَلُوهُمْ حَتّى قَتَلُوهُمْ جَمِيعًا.

وأمّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ وخُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ طارِقٍ فَلانُوا ورَقُّوا ورَغِبُوا فِي الحَياةِ، فَأعْطَوْا بِأيْدِيهِمْ، فَأسَرُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا بِهِمْ إلى مَكَّةَ لِيَبِيعُوهُمْ بِها حَتّى إذا كانُوا بِالظَّهْرانِ، انْتَزَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طارِقٍ يَدَهُ مِنَ القرانِ، ثُمَّ أخَذَ سَيْفَهُ واسْتَأْخَرَ عَنْهُ القَوْمُ، فَرَمَوْهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ، فَقَبْرُهُ بِالظِّهْرانِ وأمّا خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ وزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، فَقَدِمُوا بِهِما مَكَّةَ، فَباعُوهُما فابْتاعَ خُبَيْبًا حُجَيْرُ بْنُ أبِي إهابٍ التَّمِيمِيُّ حَلِيفُ بَنِي نَوْفَلٍ لِعُقْبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ- وكانَ حُجَيْرٌ أخا الحارِثِ بْنِ عامِرٍ لأُمِّهِ- لِيَقْتُلَهُ بِأبِيهِ، وأمّا زَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ، فابْتاعَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ لِيَقْتُلَهُ بِأبِيهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.539-538.
ذكر الخبر عن عمرو بْن أمية الضمري إذ وجهه رَسُول الله ص لقتل أبي سفيان بْن حرب

ولما قُتِلَ من وجهه النبي ص إلى عضل والقارة من أهل الرجيع، وبلغ خبرهم رسول الله ص بعث عمرو بْن أمية الضمري إلى مكة مَعَ رجل من الأنصار، وأمرهما بقتل أبي سفيان بْن حرب، فحَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الفَضْلِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ- يَعْنِي عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ- قالَ: قالَ عَمْرُو بْنُ اميه: بعثني رسول الله ص بَعْدَ قَتْلِ خُبَيْبٍ وأصْحابِهِ، وبَعَثَ مَعِي رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ: ائْتِيا أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ فاقْتُلاهُ، قالَ: فَخَرَجْتُ أنا وصاحِبِي ومَعِي بَعِيرٌ لِي، ولَيْسَ مَعَ صاحِبِي بَعِيرٌ، وبِرِجْلِهِ عِلَّةٌ. فَكُنْتُ أحْمِلُهُ عَلى بَعِيرِي، حَتّى جِئْنا بَطْنَ يَأْجَجَ، فَعَقَلْنا بَعِيرَنا فِي فِناءِ شِعْبٍ، فَأسْنَدْنا فِيهِ، فَقُلْتُ لِصاحِبِي: انْطَلِقْ بِنا إلى دارِ أبِي سُفْيانَ، فَإنِّي مُحاوِلٌ قَتْلَهُ فانْظُرْ، فَإنْ كانَتْ مُجاوَلَةً أوْ خَشِيتَ شَيْئًا فالحَقْ ببعيرك فاركبه، والحق بالمدينة فات رسول الله ص فَأخْبِرْهُ الخَبَرَ، وخَلِّ عَنِّي، فَإنِّي رَجُلٌ عالِمٌ بِالبَلَدِ، جَرِيءٌ عَلَيْهِ، نَجِيبُ السّاقِ فَلَمّا دَخَلْنا مَكَّةَ ومَعِي مِثْلُ خافِيةِ النِّسْرِ- يَعْنِي خِنْجَرَهُ- قَدْ أعْدَدْتُهُ، إنْ عانَقَنِي إنْسانٌ قَتَلْتُهُ بِهِ، فَقالَ لِي صاحِبِي: هَلْ لَكَ أنْ نَبْدَأ فَنَطُوفَ بِالبَيْتِ أُسْبُوعًا، ونُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ؟ فَقُلْتُ: أنا أعْلَمُ بِأهْلِ مَكَّةَ مِنكَ، إنَّهُمْ إذا أظْلَمُوا رَشُّوا أفْنِيَتَهُمْ، ثُمَّ جَلَسُوا بِها، وأنا أعْرَفُ بِها مِنَ الفَرَسِ الأبْلَقِ. قالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتّى أتَيْنا البَيْتَ، فَطُفْنا بِهِ أُسْبُوعًا، وصَلَّيْنا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْنا فَمَرَرْنا بِمَجْلِسٍ مِن مَجالِسِهِمْ، فَعَرَفَنِي رَجُلٌ مِنهُمْ، فَصَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: هَذا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ! قالَ: فَتَبادَرَتْنا أهْلُ مَكَّةَ وقالُوا: تاللَّهِ ما جاءَ بِعَمْرٍو خَيْرٌ! والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ ما جاءَها قَطُّ إلا لِشَرٍّ- وكانَ عَمْرٌو رَجُلا فاتِكًا مُتَشَيْطِنًا فِي الجاهِلِيَّةِ- قالَ: فَقامُوا فِي طَلَبِي وطَلَبِ صاحِبِي، فَقُلْتُ لَهُ: النَّجاءَ! هَذا واللَّهِ الَّذِي كُنْتُ أحْذَرُ، أمّا الرَّجُلُ فَلَيْسَ إلَيْهِ سَبِيلٌ، فانْجُ بِنَفْسِكَ، فَخَرَجْنا نَشْتَدُّ حَتّى أُصْعِدَنا فِي الجَبَلِ، فَدَخَلْنا فِي غارٍ، فَبِتْنا فِيهِ لَيْلَتَنا، وأعْجَزْناهُمْ، فَرَجَعُوا وقَدِ اسْتَتَرْتُ دُونَهُمْ بِأحْجارٍ حِينَ دَخَلْتُ الغارَ، وقُلْتُ لِصاحِبِي: أمْهِلْنِي حَتّى يَسْكُنَ الطَّلَبُ عَنّا، فَإنَّهُمْ واللَّهِ لَيَطْلُبُنّا لَيْلَتَهُمْ هَذِهِ ويَوْمَهُمْ هذا حتى يمسوا قال: فو الله إنِّي لَفِيهِ إذْ أقْبَلَ عُثْمانُ بْنُ مالِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، يَتَخَيَّلُ بِفَرَسٍ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَدْنُو ويَتَخَيَّلُ بِفَرَسِهِ حَتّى قامَ عَلَيْنا بِبابِ الغارِ قالَ: فَقُلْتُ لِصاحِبِي: هَذا واللَّهِ ابْنُ مالِكٍ، واللَّهِ لِئَنْ رَآنا لَيُعْلِمَنَّ بِنا أهْلَ مَكَّةَ قالَ: فَخَرَجْتُ إلَيْهِ فَوَجَأْتُهُ بِالخِنْجَرِ تَحْتَ الثَّدْيِ، فَصاحَ صَيْحَةً أسْمَعَ أهْلَ مَكَّةَ، فَأقْبَلُوا إلَيْهِ، ورَجَعْتُ إلى مَكانِي، فَدَخَلْتُ فِيهِ، وقُلْتُ لِصاحِبِي: مَكانَكَ! قالَ: واتَّبَعَ أهْلُ مَكَّةَ الصَّوْتَ يَشْتَدُّونَ، فَوَجَدُوهُ وبِهِ رَمَقٌ، فَقالُوا: ويْلَكَ مَن ضَرَبَكَ! قالَ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ: ثُمَّ ماتَ وما أدْرَكُوا ما يَسْتَطِيعُ أنْ يُخْبِرَهُمْ بِمَكانِنا، فَقالُوا: واللَّهِ لَقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِخَيْرٍ، وشَغَلَهُمْ صاحِبُهُمْ عَنْ طَلَبِنا، فاحْتَمَلُوهُ، ومَكَثْنا فِي الغارِ يَوْمَيْنِ حَتّى سَكَنَ عَنّا الطَّلَبُ ثُمَّ خَرَجْنا إلى التَّنْعِيمِ، فَإذا خَشَبَةُ خُبَيْبٍ، فَقالَ لِي صاحِبِي: هَلْ لَكَ فِي خُبَيْبٍ تُنْزِلُهُ عَنْ خَشَبَتِهِ؟ فَقُلْتُ: أيْنَ هُوَ؟ قالَ: هُوَ ذاكَ حَيْثُ تَرى فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأمْهِلْنِي وتَنَحَّ عَنِّي قالَ: وحَوْلَهُ حَرَسٌ يَحْرُسُونَهُ قالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ: فَقُلْتُ لِلأنْصارِيِّ: إنْ خَشِيتَ شَيْئًا فَخُذِ الطَّرِيقَ إلى جَمَلِكَ فارْكَبْهُ والحَقْ بِرَسُولِ الله ص، فَأخْبِرْهُ الخَبَرَ، فاشْتَدَدْتُ إلى خَشَبَتِهِ فاحْتَلَلْتُهُ واحْتَمَلْتُهُ على ظهري، فو الله ما مَشِيتُ إلا نَحْوَ أرْبَعِينَ ذِراعًا حَتّى نَذِرُوا بِي، فَطَرَحْتُهُ، فَما أنْسى وجبتَهُ حِينَ سَقَطَ، فاشْتَدُّوا فِي أثَرِي، فَأخَذْتُ طَرِيقَ الصَّفْراءِ فَأُعْيُوا، فَرَجَعُوا، وانْطَلَقَ صاحِبِي إلى بَعِيرِهِ فَرَكِبَهُ، ثم اتى النبي ص فَأخْبَرَهُ أمْرَنا، وأقْبَلْتُ أمْشِي، حَتّى إذا أشْرَفْتُ عَلى الغَلِيلِ، غَلِيلِ ضَجْنانَ، دَخَلْتُ غارًا فِيهِ، ومَعِي قَوْسِي وأسْهُمِي، فَبَيْنا أنا فِيهِ إذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ، أعْوَرُ طَوِيلٌ يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ، فَقالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِن بَنِي بَكْرٍ، قالَ: وأنا مِن بَنِي بَكْرٍ، ثُمَّ أحَدُ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ اضْطَجَعَ مَعِي فِيهِ، فَرَفَعَ عَقِيرَتَهُ يَتَغَنّى ويَقُولُ: ولَسْتُ بِمُسْلِمٍ ما دُمْتُ حَيًّا … ولَسْتُ أدِينُ دِينَ المُسْلِمِينا فَقُلْتُ: سَوْفَ تَعْلَمُ! فَلَمْ يَلْبَثِ الأعْرابِيُّ أنْ نامَ وغَطَّ، فَقُمْتُ إلَيْهِ فَقَتَلْتُهُ أسْوَأ قِتْلَةٍ قَتَلَها أحَدٌ أحَدًا، قُمْتُ إلَيْهِ فَجَعَلْتُ سِيَةَ قَوْسِي فِي عَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ تَحامَلْتُ عَلَيْها حَتّى أخْرَجْتُها مِن قَفاهُ.

قالَ: ثُمَّ أخْرَجَ مِثْلَ السَّبُعِ، وأخَذْتُ المَحَجَّةَ كَأنِّي نَسْرٌ، وكانَ النَّجاءُ حَتّى أخْرُجَ عَلى بَلَدٍ قَدْ وصَفَهُ، ثُمَّ عَلى رَكُوبَةٍ، ثُمَّ عَلى النَّقِيعِ، فَإذا رَجُلانِ مِن أهْلِ مَكَّةَ بَعَثَتْهُما قُرَيْشٌ يَتَحَسَّسانِ مِن امر رسول الله ص، فَعَرَفْتُهُما فَقُلْتُ: اسْتَأْسِرا، فَقالا: أنَحْنُ نَسْتَأْسِرُ لَكَ! فَأرْمِي أحَدُهُما بِسَهْمٍ فَأقْتُلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لِلآخَرِ: اسْتَأْسِرْ، فاسْتَأْسَرَ، فَأوْثَقْتُهُ، فَقَدِمْتُ بِهِ عَلى رَسُولِ الله ص حَدَّثَنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ ورْدانَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، قالَ: لَمّا قَدِمْتُ المَدِينَةَ، مَرَرْتُ بِمَشْيَخَةٍ مِنَ الأنْصارِ، فَقالُوا: هَذا واللَّهِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَسَمِعَ الصِّبْيانُ قولهم، فاشتدوا الى رسول الله ص يُخْبِرُونَهُ، وقَدْ شَدَدْتُ إبْهامَ أسِيرِي بِوَتَرِ قَوْسِي، فنظر النبي ص اليه فَضَحِكَ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، ثُمَّ سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، فَقالَ لِي خَيْرًا ودَعا لِي بِخَيْرٍ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.545-542.
فَقالُوا: نَتَحَمَّلُ قالَ: فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ: لا تَخْرُجُوا، فَإنَّ مَعِي مِنَ العَرَبِ ومِمَّنِ انْضَوى إلَيَّ مِن قَوْمِي ألْفَيْنِ، فَأقِيمُوا فَهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ، وقُرَيْظَةُ تَدْخُلُ مَعَكُمْ فَبَلَغَ كَعْبَ بْنَ أسَدٍ صاحِبَ عَهْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَقالَ: لا يَنْقُضُ العَهْدَ رَجُلٌ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ وأنا حَيٌّ، فَقالَ سَلامُ بْنُ مِشْكَمٍ لِحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ: يا حُيَيُّ اقْبَلْ هَذا الَّذِي قالَ مُحَمَّدٌ، فَإنَّما شَرُفْنا عَلى قَوْمِنا بِأمْوالِنا قَبْلَ أنْ تَقْبَلَ ما هُوَ شَرٌّ مِنهُ قالَ: وما هُوَ شَرٌّ مِنهُ؟ قالَ:

أخْذُ الأمْوالِ وسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ وقَتْلُ المقاتله، فأبى حيي، فأرسل جدي ابن اخطب الى رسول الله ص: إنّا لا نُرِيمُ دارَنا فاصْنَعْ ما بَدا لك! قال: فكبر رسول الله ص، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ مَعَهُ، وقالَ: حارَبَتْ يَهُودُ، وانْطَلَقَ جُدَيٌّ إلى ابْنِ أُبَيٍّ يَسْتَمِدُّهُ قالَ: فَوَجَدْتُهُ جالِسًا فِي نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، ومُنادِي النَّبِيِّ ص يُنادِي بِالسِّلاحِ، فَدَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عبد الله ابن أُبَيٍّ، وأنا عِنْدَهُ، فَأخَذَ السِّلاحَ، ثُمَّ خَرَجَ يَعْدُو، قالَ: فَأيِسْتُ مِن مَعُونَتِهِ قالَ: فَأخْبَرْتُ بِذَلِكَ كُلِّهِ حُيَيًّا، فَقالَ: هَذِهِ مَكِيدَةٌ مِن محمد، فزحف اليهم رسول الله ص، فحاصرهم رسول الله ص خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، حَتّى صالَحُوهُ عَلى أنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِماءَهُمْ، ولَهُ الأمْوالُ والحَلَقَةُ. فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: حاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص- يَعْنِي بَنِي النَّضِيرِ- خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتّى بَلَغَ مِنهُمْ كُلَّ مَبْلَغٍ، فَأعْطَوْهُ ما أرادَ مِنهُمْ، فَصالَحَهُمْ عَلى أنْ يَحْقِنَ لَهُمْ دِماءَهُمْ، وأنْ يُخْرِجَهُمْ مِن أرْضِهِمْ وأوْطانِهِمْ، ويُسَيِّرَهُمْ إلى أذْرُعاتِ الشّامِ، وجَعَلَ لِكُلِّ ثَلاثَةٍ مِنهُمْ بَعِيرًا وسقاء حَدَّثَنا ابْنُ عَبْدِ الأعْلى، قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: قاتلهم النبي ص حَتّى صالَحَهُمْ عَلى الجَلاءِ، فَأجْلاهُمْ إلى الشّامِ، عَلى أنَّ لَهُمْ ما أقَلَّتِ الإبِلُ مِن شَيْءٍ إلا الحَلْقَةَ- والحَلْقَةُ:

السِّلاحُ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.554-553.
غزوه ذات الرقاع

واخْتُلِفَ فِي الَّتِي كانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ النَّبِيِّ ص بَنِي النَّضِيرِ مِن غَزَواتِهِ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ في ذلك، ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: ثم اقام رسول الله ص بِالمَدِينَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ شَهْرَيْ رَبِيعٍ، وبَعْضَ شَهْرِ جُمادى ثُمَّ غَزا نَجْدًا- يُرِيدُ بَنِي مُحارِبٍ وبَنِي ثَعْلَبَةَ مِن غَطَفانَ- حَتّى نزل نخلا، وهِيَ غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، فَلَقِيَ بِها جَمْعًا مِن غَطَفانَ، فَتَقارَبَ النّاسُ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حرب، وقد خاف النّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتّى صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ص بِالمُسْلِمِينَ صَلاةَ الخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ بِالمُسْلِمِينَ.

وأمّا الواقِدِيُّ، فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ غَزْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص ذاتَ الرِّقاعِ، كانَتْ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ قالَ: وإنَّما سُمِّيَتْ ذاتَ الرِّقاعِ، لأنَّ الجَبَلَ الَّذِي سُمِّيَتْ بِهِ ذاتَ الرِّقاعِ جَبَلٌ بِهِ سَوادٌ وبَياضٌ وحُمْرَةٌ، فَسُمِّيَتِ الغَزْوَةُ بذلك الجبل قال: واستخلف رسول الله ص فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ عَلى المَدِينَةِ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.556-555.
فَرَقِيَ سَلْمانُ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ص وهُوَ ضارِبٌ عَلَيْهِ قُبَّةً تُرْكِيَّةً، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا! خَرَجَتْ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مِنَ الخَنْدَقِ مَرْوَةٌ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا، وشَقَّتْ عَلَيْنا حَتّى ما نَحِيكُ فِيها قَلِيلا ولا كَثِيرًا، فَمُرْنا فِيها بِأمْرِكَ، فَإنّا لا نُحِبُّ ان نجاوز خطك فهبط رسول الله ص مَعَ سَلْمانَ فِي الخَنْدَقِ، ورَقِينا نَحْنُ التِّسْعَةَ على شقه الخندق، فاخذ رسول الله ص المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها- يَعْنِي لابَتَيِ المَدِينَةِ- حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا فِي جوف بيت مظلم فكبر رسول الله ص تَكْبِيرَ فَتْحٍ، وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ ثُمَّ ضَرَبَها رَسُولُ الله ص الثّانِيَةَ، فَصَدَعَها وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَ مِنها ما بَيْنَ لابَتَيْها، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا فِي جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله ص تَكْبِيرَ فَتْحٍ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ.

ثُمَّ ضَرَبَها رَسُولُ الله ص الثّالِثَةَ فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةً أضاءَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا فِي جَوْفِ بيت مظلم، فكبر رسول الله ص تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم أخذ بيد سَلْمانُ فَرَقِيَ، فَقالَ سَلْمانُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ! لَقَدْ رَأيْتُ شَيْئًا ما رايته قط! [فالتفت رسول الله ص إلى القَوْمِ، فَقالَ: هَلْ رَأيْتُمْ ما يَقُولُ سَلْمانُ؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِينا أنْتَ وأُمِّنا قَدْ رَأيْناكَ تَضْرِبُ فَيَخْرُجُ بَرْقٌ كالمَوْجِ، فَرَأيْناكَ تُكَبِّرُ فَنُكَبِّرُ، ولا نَرى شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ. قالَ: صَدَقْتُمْ، ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأُولى، فَبَرَقَ الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنِ كِسْرى، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّانِيَةَ، فَبَرَقَ الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورَ الحُمُرِ مِن أرْضِ الرُّومِ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثّالِثَةُ، فَبَرَقَ مِنها الَّذِي رَأيْتُمْ، أضاءَتْ لِي مِنها قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ، وأبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرَ، وأبْشِرُوا يُبَلِّغُهُمُ النَّصْرُ! فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ، وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ مُوعِدَ صادِقٍ بارٍّ، وعَدَنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرَ فَطَلَعَتِ الأحْزابُ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ: «هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهُمْ إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا» وقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ! يُحَدِّثُكُمْ ويُمَنِّيكُمْ ويَعِدُكُمُ الباطِلَ! يُخْبِرُكُمْ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفُرُونَ الخَنْدَقَ ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا! وأُنْزِلَ القُرْآنُ:

«وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا]».
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.570-568.
فَأقامَ رَسُولُ الله ص، وأقامَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِ بِضْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، قَرِيبًا مِن شَهْرٍ، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَ القَوْمِ حَرْبٌ إلا الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ والحِصارُ.

فَلَمّا اشْتَدَّ البَلاءُ على الناس بعث رسول الله ص- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ- إلى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وإلى الحارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أبِي حارِثَةَ المُرِّيِّ- وهُما قائِدا غَطَفانَ- فَأعْطاهُما ثُلُثَ ثِمارِ المَدِينَةِ، عَلى أنْ يَرْجِعا بمن معهما عن رسول الله ص وأصْحابِهِ، فَجَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهُمُ الصُّلْحَ، حَتّى كَتَبُوا الكِتابَ، ولَمْ تَقَعِ الشَّهادَةُ ولا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ إلا المُراوَضَةُ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلا، فَلَمّا أرادَ رسول الله ص أنْ يَفْعَلَ، بَعَثَ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ وسَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُما، واسْتَشارَهُما فِيهِ فَقالا:

يا رَسُولَ اللَّهِ، أمْرٌ تُحِبُّهُ فَنَصْنَعَهُ، أمْ شَيْءٌ أمَرَكَ اللَّهُ ﷿ بِهِ، لا بُدَّ لَنا مِن عَمَلٍ بِهِ، أمْ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ لَنا؟ قالَ: لا، بَلْ لَكُمْ، واللَّهِ ما أصْنَعُ ذَلِكَ إلا أنِّي رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، وكالَبُوكُمْ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَأرَدْتُ أنْ أكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ لأمْرٍ ما ساعَةً فَقالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمُ عَلى شِرْكٍ بِاللَّهِ ﷿ وعِبادَةِ الأوْثانِ، ولا نَعْبُدُ اللَّهَ ولا نَعْرِفُهُ، وهُمْ لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنّا تَمْرَةً إلا قِرًى أوْ بَيْعًا، أفَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ، وأعَزَّنا بِكَ، نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا! ما لَنا بِهَذا مِن حاجَةٍ، واللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلا السَّيْفَ حَتّى يَحْكُمَ الله بيننا وبينهم فقال رسول الله ص: فَأنْتَ وذاكَ! فَتَناوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيفَةَ، فَمَحا ما فِيها مِنَ الكِتابِ، ثُمَّ قالَ: لِيَجْهَدُوا عَلَيْنا.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.573-572.
وكانَ حَسّانٌ مَعَنا فِيهِ مَعَ النِّساءِ والصِّبْيانِ قالَتْ صَفِيَّةُ: فَمَرَّ بِنا رَجُلٌ مِن يَهُودَ، فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالحِصْنِ، وقَدْ حارَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ وقَطَعَتْ ما بينها وبين رسول الله ص، لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ أحَدٌ يَدْفَعُ عَنّا، ورَسُولُ الله ص والمُسْلِمُونَ فِي نُحُورِ عَدُوِّهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَنْصَرِفُوا إلَيْنا عَنْهُمْ إنْ أتانا آتٍ قالَتْ: فَقُلْتُ: يا حَسّانُ، إنَّ هَذا اليَهُودِيَّ كَما تَرى، يُطِيفُ بِالحِصْنِ، وإنِّي واللَّهِ ما آمَنُهُ ان يدل على عوراتنا مَن وراءَنا مِن يَهُودَ، وقَدْ شُغِلَ عَنّا رسول الله ص وأصْحابُهُ، فانْزِلْ إلَيْهِ فاقْتُلْهُ فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ يا بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! واللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتِ ما أنا بِصاحِبِ هَذا! قالَتْ: فَلَمّا قالَ ذَلِكَ لِي، ولَمْ أرَ عِنْدَهُ شَيْئًا احْتَجَزْتُ، ثُمَّ أخَذْتُ عَمُودًا، ثُمَّ نَزَلْتُ مِنَ الحِصْنِ إلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ بِالعَمُودِ حَتّى قَتَلْتُهُ، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنهُ رَجَعْتُ إلى الحِصْنِ، فَقُلْتُ:

يا حَسّانُ، انْزِلْ إلَيْهِ فاسْلُبْهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي مِن سَلَبِهِ إلا أنَّهُ رَجُلٌ، قالَ:

ما لِي بِسَلَبِهِ مِن حاجَةٍ يا بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وأقامَ رَسُولُ اللَّهِ ص واصحابه، فِيما وصَفَ اللَّهُ ﷿ مِنَ الخَوْفِ والشِّدَّةِ، لِتَظاهُرِ عَدُوِّهِمْ عَلَيْهِمْ، وإتْيانِهِمْ مِن فَوْقِهِمْ ومِن أسْفَلَ مِنهُمْ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.577.
فَحَدَّثَنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، عَنْ أيُّوبَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي صَعْصَعَةَ، أخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجّارِ، أنَّ سَلْمى بِنْتَ قَيْسٍ أُمَّ المُنْذِرِ أُخْتَ سُلَيْطِ بْنِ قيس- وكانت احدى خالات رسول الله ص، قَدْ صَلَّتْ مَعَهُ القِبْلَتَيْنِ، وبايَعَتْهُ بَيْعَةَ النِّساءِ- سَألَتْهُ رِفاعَةَ بْنَ شمويلَ القُرَظِيَّ- وكانَ رَجُلا قَدْ بَلَغَ ولاذَ بِها، وكانَ يَعْرِفُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ- فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي! هَبْ لِي رِفاعَةَ بْنَ شمويلَ، فَإنَّهُ قَدْ زَعَمَ أنَّهُ سَيُصَلِّي، ويَأْكُلُ لَحْمَ الجَمَلِ، فَوَهَبَهُ لَها، فاسْتَحَيْتُهُ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ ان رسول الله ص قَسَمَ أمْوالَ بَنِي قُرَيْظَةَ ونِساءَهُمْ وأبْناءَهُمْ عَلى المُسْلِمِينَ، وأعْلَمَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ سَهْمانِ الخَيْلِ وسَهْمانِ الرِّجالِ، وأخْرَجَ مِنها الخُمُسَ، فَكانَ لِلْفارِسِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ، لِلْفَرَسِ سَهْمانِ ولِفارِسِهِ سَهْمٌ، ولِلرّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ سَهْمٌ، وكانَتِ الخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتَّةً وثَلاثِينَ فَرَسًا، وكانَ أول فيء وقع فيه السهمان واخرج منه الخُمُسِ، فَعَلى سُنَّتِها وما مَضى مِن رَسُولِ الله ص فِيها وقَعَتِ المَقاسِمُ، ومَضَتِ السُّنَّةُ فِي المَغازِي، ولَمْ يَكُنْ يُسْهَمُ لِلْخَيْلِ إذا كانَتْ مَعَ الرَّجُلِ إلا لِفَرَسَيْنِ.

ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأنْصارِيَّ، أخا بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ بِسَبايا مِن سَبايا بَنِي قُرَيْظَةَ إلى نَجْدٍ، فابْتاعَ لَهُ بِهِمْ خيلا وسلاحا، وكان رسول الله ص قَدِ اصْطَفى لِنَفْسِهِ مِن نِسائِهِمْ رَيْحانَةَ بِنْتَ عمرو بن خنافه إحْدى نِساءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَكانَتْ عند رسول الله ص حَتّى تُوُفِّيَ عَنْها وهِيَ فِي مِلْكِهِ، وقَدْ كان رسول الله ص عَرَضَ عَلَيْها أنْ يَتَزَوَّجَها، ويَضْرِبَ عَلَيْها الحِجابَ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ تَتْرُكَنِي فِي مِلْكِكَ فَهُوَ أخَفُّ عَلَيَّ وعَلَيْكَ فَتَرَكَها، وقَدْ كانت حين سباها رسول الله ص قَدْ تَعَصَّتْ بِالإسْلامِ، وأبَتْ إلا اليَهُودِيَّةَ، فَعَزَلَها رسول الله ص ووَجَدَ فِي نَفْسِهِ لِذَلِكَ مِن أمْرِها، فَبَيْنا هُوَ مَعَ أصْحابِهِ إذْ سَمِعَ وقْعَ نَعْلَيْنِ خَلْفَهُ، فَقالَ: إنَّ هَذا لَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ يُبَشِّرُنِي بِإسْلامِ رَيْحانَةَ، فَجاءَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ أسْلَمَتْ رَيْحانَةُ، فَسَرَّهُ ذَلِكَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.591.
وكانَ فَتْحُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي ذِي القَعْدَةِ أوْ فِي صَدْرِ ذِي الحَجَّةِ، فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحاقَ وأمّا الواقِدِيُّ فَإنَّهُ قالَ: غزاهم رسول الله ص فِي ذِي القَعْدَةِ، لِلَيالٍ بَقِينَ مِنه، وزَعَمَ ان رسول الله ص أمَرَ أنْ يُشَقَّ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فِي الأرْضِ أخادِيدَ ثُمَّ جَلَسَ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ والزُّبَيْرُ يَضْرِبانِ أعْناقَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وزَعَمَ أنَّ المَرْأةَ الَّتِي قتلها النبي ص يَوْمَئِذٍ كانَتْ تُسَمّى بُنانَةَ، امْرَأةُ الحَكَمِ القُرَظِيِّ، كانَتْ قَتَلَتْ خَلادَ بْنَ سُوَيْدٍ، رَمَتْ عَلَيْهِ رحى، فدعا له رسول الله ص، فَضُرِبَ عُنُقُها بِخَلادِ بْنِ سُوَيْدٍ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.593.
قالَ: فَلْيَقُمْ إلَيْهِ مِنكُمْ أرْبَعَةٌ فَعَمَدَ إلَيَّ أرْبَعَةٌ مِنهُمْ فَلَمّا أمْكَنُونِي مِنَ الكَلامِ، قُلْتُ: أتَعْرِفُونِّي؟ قالُوا: مَن أنْتَ؟ قُلْتُ: سَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ لا أطْلُبُ أحَدًا مِنكُمْ إلا أدْرَكْتُهُ، ولا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنكُمْ فَيُدْرِكُنِي قالَ أحَدُهُمْ: أنا أظُنُّ، قالَ: فَرَجَعُوا فَما بَرِحْتُ مَكانِي ذاكَ حَتّى نَظَرْتُ إلى فَوارِسِ رَسُولِ اللَّهِ ص يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، أوَّلُهُمُ الأخْرَمُ الأسَدِيُّ، وعَلى إثْرِهِ أبُو قَتادَةَ الأنْصارِيُّ، وعَلى إثْرِهِ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الكِنْدِيُّ، فَأخَذْتُ بِعِنانِ فَرَسِ الأخْرَمِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَقُلْتُ: يا أخْرَمُ، إنَّ القَوْمَ قَلِيلٌ، فاحْذَرْهُمْ لا يَقْتَطِعُوكَ حَتّى يَلْحَقَ بِنا رَسُولُ الله وأصْحابُهُ فَقالَ: يا سَلَمَةُ، إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَعْلَمُ أنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ والنّارَ حَقٌّ، فَلا تَحُلْ بَيْنِي وبَيْنَ الشَّهادَةِ قال: فحليته، فالتَقى هُوَ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ، فَعَقَرَ الأخْرَمُ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرَسَهُ، فَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلى فَرَسِهِ، ولَحِقَ أبُو قَتادَةَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ وقَتَلَهُ، وعَقَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِأبِي قَتادَةَ فَرَسَهُ، وتَحَوَّلَ أبُو قَتادَةَ عَلى فَرَسِ الأخْرَمِ، فانْطَلَقُوا هارِبِينَ.

قالَ سلمه: فو الذى كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ، لَتَبِعْتُهُمْ أعْدُو عَلى رِجْلَيَّ، حَتّى ما أرى ورائِي مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ص ولا غُبارِهِمْ شَيْئًا. قالَ: ويَعْدِلُونَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى شِعْبٍ فِيهِ ماءٌ يُقالُ لَهُ ذو قرد يَشْرَبُونَ مِنهُ وهُمْ عِطاشٌ، فَنَظَرُوا إلَيَّ أعْدُو في آثارهم، فحليتهم فَما ذاقُوا مِنهُ قَطْرَةً. قالَ: ويُسْنِدُونَ فِي ثنية ذي اثير، ويَعْطِفُ عَلَيَّ واحِدٌ فَأرْشُقُهُ بِسَهْمٍ فَيَقَعُ فِي نغض كَتِفِهِ، فَقُلْتُ: خُذْها وأنا ابْنُ الأكْوَعِ واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ فَقالَ: أكْوَعِيٌّ غُدْوَةٌ! قُلْتُ: نَعَمْ يا عَدُوَّ نَفْسِهِ، وإذا فَرَسانِ عَلى الثَّنِيَّةِ، فجئت بهما اقودهما الى رسول الله ولَحِقَنِي عامِرٌ عَمِّي بَعْدَ ما أظْلَمْتُ بِسَطِيحَةٍ فِيها مَذْقَةٌ مِن لَبَنٍ، وسَطِيحَةٌ فِيها ماءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وصَلَّيْتُ وشَرِبْتُ، ثُمَّ جِئْتُ إلى رَسُولِ الله ص وهو على الماء الذى حليتهم عَنْهُ، عِنْدَ ذِي قَرَدٍ، وإذا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ أخَذَ تِلْكَ الإبِلَ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ العَدُوِّ، وكُلَّ رُمْحٍ، وكُلَّ بُرْدَةٍ، وإذا بِلالٌ قَدْ نَحَرَ ناقَةً مِنَ الإبِلِ الَّتِي اسْتَنْقَذْتُ من العدو، فهو يشوى لرسول الله ص مِن كَبِدِها وسَنامِها، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّنِي فَلأنْتَخِبُ مِائَةَ رَجُلٍ مِنَ القَوْمِ، فَأتَّبِعُ القَوْمَ فَلا يَبْقى مِنهُمْ عَيْنٌ. فَضَحِكَ رَسُولُ الله ص حتى بدا- وقد بانَتْ- نَواجِذُهُ.

فِي ضَوْءِ النّارِ ثُمَّ قالَ: أكُنْتَ فاعِلا! فَقُلْتُ: إي والَّذِي أكْرَمَكَ!
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.599-598.
فَقالَ ذاكَ مِرارًا، فَلَمّا سَمِعْتُهُ قُلْتُ:

أما تُكْرِمُ كَرِيمًا ولا تَهابُ شَرِيفًا! فَقالَ: لا، إلا أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي! ائْذَنْ لِي فَلأُسابِقَ الرَّجُلَ! قالَ: إنْ شِئْتَ، قالَ: فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ، فَرَبَطْتُ شَرَفًا أوْ شَرَفَيْنِ فَألْحَقُهُ وأصُكُّهُ بين كتفيه، فقلت: سبقتك والله! فقال: انى أظُنُّ، فَسَبَقْتُهُ إلى المَدِينَةِ، فَلَمْ نَمْكُثْ بِها إلا ثَلاثًا حَتّى خَرَجْنا إلى خَيْبَرَ رَجَعَ الحَدِيثُ إلى حَدِيثِ ابْنِ إسْحاقَ ومَعَهُ غُلامٌ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ- يَعْنِي مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ- مَعَهُ فَرَسٌ لَهُ يَقُودُهُ، حَتّى إذا عَلا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ نَظَرَ إلى بَعْضِ خُيُولِهِمْ، فَأشْرَفَ فِي ناحِيَةِ سَلْعٍ، ثم صرخ: وا صباحاه! ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ فِي آثارِ القَوْمِ- وكانَ مِثْلَ السَّبُعِ- حَتّى لَحِقَ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَرُدُّهُمْ بِالنَّبْلِ، ويَقُولُ إذا رَمى: خُذْها مِنِّي وأنا ابْنُ الأكْوَعِ، واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. فَإذا وُجِّهَتِ الخَيْلُ نَحْوَهُ، انْطَلَقَ هارِبًا، ثُمَّ عارَضَهُمْ، فَإذا أمْكَنَهُ الرَّمْيَ رَمى، ثُمَّ قالَ: خُذْها وأنا ابْنُ الأكْوَعِ واليَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ قالَ: فَيَقُولُ قائلهم: اويكعنا هُوَ أوَّلُ النَّهارِ.

قالَ: وبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ص صِياحُ ابْنِ الأكْوَعِ، فَصَرَخَ بِالمَدِينَةِ: الفَزَعَ الفَزَعَ!، فتتامت الخيول الى رسول الله ص، فَكانَ أوَّلَ مَنِ انْتَهى إلَيْهِ مِنَ الفُرْسانِ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.601.
وأُصِيبَ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ يَوْمَئذٍ ناسٌ كَثِيرٌ، وقَتَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ مِنهُمْ رَجُلَيْنِ: مالِكًا وابْنَهُ، وأصابَ رسول الله ص منهم سَبْيًا كَثِيرًا، فَفَشا قَسْمُهُ فِي المُسْلِمِينَ، ومِنهُمْ جُوَيْرَيَةُ بِنْتُ الحارِثِ بْنِ أبِي ضِرارٍ زَوْجُ النبي ص.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.610-609.
رَجَعَ الحَدِيثُ إلى حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الأعْلى ويَعْقُوبَ قالَ: فَإنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خطه رشد فاقبلوها، ودعوني آته فقالوا:

ائته، فأتاه، فجعل يكلم النبي ص، فقال النبي نَحْوًا مِن مَقالَتِهِ لِبُدَيْلٍ، فَقالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: أيْ مُحَمَّدُ، أرَأيْتَ إنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، فَهَلْ سَمِعْتَ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتاحَ أصْلَهُ قبلك! وان تكن الاخرى، فو الله إنِّي لأرى وُجُوهًا وأوْشابًا مِنَ النّاسِ خَلْقًا أنْ يَفِرُّوا ويَدَعُوكَ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: امْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ- واللّاتُ طاغِيَةُ ثَقِيفٍ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَ- أنَحْنُ نَفِرُّ ونَدَعُهُ! فَقالَ: مَن هَذا؟ فَقالُوا: أبُو بَكْرٍ، فَقالَ: أما والَّذِي نَفْسِي بيده لَوْلا يَدٌ كانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي ص، فَكُلَّما كَلَّمَهُ أخَذَ بِلِحْيَتِهِ- والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قائم على راس النبي ص، ومَعَهُ السَّيْفُ وعَلَيْهِ المِغْفَرُ، فَكُلَّما أهْوى عُرْوَةُ بيده الى لحيه النبي ص ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السَّيْفِ، وقالَ:

أخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ، فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ، فَقالَ: مَن هذا؟ قالوا: المغيره ابن شُعْبَةَ، قالَ: أيْ غُدَرُ، ألَسْتُ أسْعى فِي غَدْرَتِكَ! وكانَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ صَحِبَ قَوْمًا فِي الجاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ، وأخَذَ أمْوالَهُمْ، ثُمَّ جاءَ فاسلم، [فقال النبي ص: أمّا الإسْلامُ فَقَدْ قَبِلْنا، وأمّا المالُ فَإنَّهُ مالُ غَدْرٍ، لا حاجَةَ لَنا فِيهِ].
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.627-626.
فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ص يَكْتُبُ الكِتابَ هُوَ وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، إذْ جاءَ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو يَرْسُفُ فِي الحَدِيدِ، قَدِ انْفَلَتَ إلى رَسُولِ الله ص- قال: وقد كان اصحاب رسول الله ص خَرَجُوا وهُمْ لا يَشُكُّونَ فِي الفَتْحِ، لِرُؤْيا رآها رسول الله ص، فَلَمّا رَأوْا ما رَأوْا مِنَ الصُّلْحِ والرُّجُوعِ، وما تحمل عليه رسول الله ص فِي نَفْسِهِ، دَخَلَ النّاسَ مِن ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ حَتّى كادُوا أنْ يَهْلَكُوا- فَلَمّا رَأى سُهَيْلٌ أبا جَنْدَلٍ، قامَ إلَيْهِ فَضَرَبَ وجْهَهُ، وأخَذَ بِلَبَبِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ قَدْ لَجَّتِ القَضِيَّةُ بَيْنِي وبَيْنَكَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكَ هَذا! قالَ: صَدَقْتَ، قالَ: فَجَعَلَ يَنْتُرُهُ بِلَبَبِهِ، ويَجُرُّهُ لِيَرُدَّهُ إلى قُرَيْشٍ، وجَعَل أبُو جَنْدَلٍ يَصْرُخُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إلى المُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي! فَزادَ النّاسَ ذَلِكَ شَرًّا إلى ما بِهِمْ فَقالَ [رَسُولُ اللَّهِ ص: يا أبا جَنْدَلٍ، احْتَسِبْ، فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لك ولِمَن مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا ومَخْرَجًا، إنّا قَدْ عَقَدْنا بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ عَقْدًا وصُلْحًا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وأعْطَوْنا عَهْدًا، وإنّا لا نَغْدِرُ بِهِمْ].

قالَ: فَوَثَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعَ أبِي جَنْدلٍ يَمْشِي إلى جَنْبِهِ، ويَقُولُ:

اصْبِرْ يا أبا جَنْدَلٍ، فَإنَّما هُمُ المُشْرِكُونَ، وإنَّما دَمُ أحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ! قالَ: ويُدْنِي قائِمَ السَّيْفِ مِنهُ، قالَ: يَقُولُ عُمَرُ: رَجَوْتُ أنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ بِهِ أباهُ، قالَ: فَضَنَّ الرَّجُلُ بِأبِيهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.635.
قالَ: فانْطَلَقَ مَعَهُما حَتّى إذا كانَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، جَلَسَ إلى جِدارٍ وجَلَسَ مَعَهُ صاحِباهُ، فَقالَ أبُو بَصِيرٍ: أصارِمٌ سَيْفُكَ هَذا يا أخا بَنِي عامِرٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أنْظُرُ إلَيْهِ؟ قالَ: إنْ شِئْتَ! فاسْتَلَّهُ أبُو بَصِيرٍ، ثُمَّ علاه بِهِ حَتّى قَتَلَهُ، وخَرَجَ المَوْلى سَرِيعًا حَتّى اتى رسول الله ص وهُوَ جالِسٌ فِي المَسْجِدِ، فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ طالِعًا، قالَ: إنَّ هَذا رَجُلٌ قَدْ رَأى فَزَعًا، فَلَمّا انْتَهى إلى رَسُولِ اللَّهِ قالَ: ويْلَكَ! ما لَكَ! قالَ: قَتَلَ صاحِبُكُمْ صاحبي، فو الله ما بَرِحَ حَتّى طَلَعَ أبُو بَصِيرٍ مُتَوَشِّحًا السيف، حتى وقف على رسول الله ص، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وفَتْ ذِمَّتُكَ، وأُدِّيَ عَنْكَ، أسْلَمْتَنِي ورَدَدْتَنِي إلَيْهِمْ ثُمَّ أنْجانِي اللَّهُ منهم [فقال النبي ص: ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ! - وقالَ ابْنُ إسْحاقَ فِي حَدِيثِهِ: مِحَشَّ حَرْبٍ- لَوْ كانَ مَعَهُ رِجالٌ!] فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّهُ سَيَرُدُّهُ إلَيْهِمْ قالَ: فَخَرَجَ أبُو بَصِيرٍ حَتّى نَزَلَ بِالعَيْصِ مِن ناحِيَةِ ذِي المَرْوَةِ عَلى ساحِلِ البَحْرِ بِطَرِيقِ قُرَيْشٍ الَّذِي كانُوا يَأْخُذُونَ إلى الشّامِ وبَلَغَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا احْتَبَسُوا بِمَكَّةَ قول رسول الله ص لأبِي بَصِيرٍ: [ويْلَ أُمِّهِ مِحَشَّ حَرْبٍ لَوْ كانَ مَعَهُ رِجالٌ،] فَخَرَجُوا إلى أبِي بَصِيرٍ بِالعَيْصِ، ويَنْفَلِتُ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَحِقَ بِأبِي بَصِيرٍ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ قَرِيبٌ مِن سَبْعِينَ رَجُلا مِنهُمْ، فَكانُوا قَدْ ضَيَّقُوا على قريش، فو الله ما يَسْمَعُونَ بَعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشّامِ إلا اعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ، وأخَذُوا أمْوالَهُمْ، فَأرْسَلَتْ قريش الى النبي ص يُناشِدُونَهُ بِاللَّهِ وبِالرَّحِمِ لَما أرْسَلَ إلَيْهِمْ! فَمَن أتاه فهو آمن، فاواهم رسول الله ص، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ المَدِينَةَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.639.
قالَ الواقدي: وفِيها أسْرى رَسُولُ اللَّهِ ص سَرِيَّةَ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ إلى ذِي القَصَّةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ فِي أرْبَعِينَ رَجُلا، فَسارُوا لَيْلَتَهُمْ مُشاةً، ووافَوْا ذا القَصَّةِ مَعَ عِمايَةِ الصُّبْحِ، فَأغارُوا عَلَيْهِمْ، فَأعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الجِبالِ، وأصابُوا نَعْمًا ورَثَةً ورَجُلا واحِدًا، فاسلم، فتركه رسول الله ص قالَ: وفِيها كانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ بِالجَمُومِ، فَأصابَ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ، يُقالُ لَها حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلى مَحِلَّةِ من محال بَنِي سُلَيْمٍ، فَأصابُوا بِها نَعَمًا وشاءً وأسْراءَ، وكانَ فِي أُولَئِكَ الأُسَراءِ زَوْجُ حَلِيمَةَ، فَلَمّا قَفَلَ بما أصاب وهب رسول الله ص لِلْمُزَنِيَّةِ زَوْجَها ونَفْسَها.

قالَ وفِيها كانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ إلى العِيصِ فِي جُمادى الأُولى مِنها. وفِيها أُخِذَتِ الأمْوالُ الَّتِي كانَتْ مَعَ أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فاسْتَجارَ بِزَيْنَبَ بنت النبي ص فَأجارَتْهُ. قالَ: وفِيها كانَتْ سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ إلى الطَّرَفِ، فِي جُمادى الآخِرَةِ، إلى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلا، فَهَرَبَتِ الأعْرابُ وخافُوا أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ سارَ إلَيْهِمْ، فَأصابَ مِن نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا قالَ: وغابَ أرْبَعَ لَيالٍ.

قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ إلى حِسْمى فِي جُمادى الآخِرَةِ قالَ: وكانَ أوَّل ذَلِكَ- فِيما حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: أقْبَلَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ مِن عِنْدِ قَيْصَرَ، وقَدْ أجازَ دِحْيَةَ بِمالٍ، وكَساهُ كِسًى، فَأقْبَلَ حَتّى كانَ بِحِسْمى، فَلَقِيَهُ ناسٌ مِن جِذامٍ، فَقَطَعُوا عَلَيْهِ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يُتْرَكْ مَعَهُ شَيْءٌ، فَجاءَ إلى رَسُولِ الله قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَأخْبَرَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ الله ص زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلى حِسْمى.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.642-641.
قالَ: وفِيها تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثابِتِ بْنِ أبِي الأقْلَحِ، أُخْتَ عاصِمِ بْنِ ثابِتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عاصِمَ بْنَ عُمَرَ، فَطَلَّقَها عُمَرُ فَتَزَوَّجَها بَعْدَهُ يَزِيدُ بْنُ جارِيَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، فَهُوَ أخُو عاصِمٍ لأُمِّهِ.

قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ إلى وادِي القُرى فِي رَجَبٍ. قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ فِي شَعْبانَ، [وقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص: إنْ أطاعُوكَ فَتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ،] فَأسْلَمَ القَوْمُ، فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُماضِرَ بِنْتَ الأصْبَغِ، وهِيَ أُمُّ أبِي سَلَمَةَ، وكانَ أبُوها رَأْسَهُمْ ومَلِكَهُمْ. قالَ: وفِيها أجْدَبَ النّاسُ جَدبًا شَدِيدًا، فاسْتَسْقى رسول الله ص فِي شَهْرِ رَمَضانَ بِالنّاسِ. قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ على بن ابى طالب ع إلى فَدَكٍ فِي شَعْبانَ. قالَ: وحدثني عَبْدُ الله بن جعفر، عن يعقوب بن عقبه، قالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فِي مِائَةِ رَجُلٍ إلى فَدَكٍ، إلى حَيٍّ مِن بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ أنَّ لَهُمْ جَمْعًا يُرِيدُونَ أنْ يَمُدُّوا يَهُودَ خَيْبَرَ، فَسارَ إلَيْهِمُ اللَّيْلَ وكَمَنَ النَّهارَ، وأصابَ عَيْنًا، فَأقَرَّ لَهُمْ أنَّهُ بَعَثَ إلى خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَصْرَهُمْ عَلى أنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ ثَمَرَ خَيْبَرَ. قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ إلى أُمِّ قِرْفَةَ فِي شَهْرِ رَمَضانَ. وفِيها قُتِلَتْ أُمُّ قِرْفَةَ، وهِيَ فاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، قَتَلَها قَتْلا عَنِيفًا، رَبَطَ بِرِجْلَيْها حَبْلا ثُمَّ رَبَطَها بَيْنَ بَعِيرَيْنِ حَتّى شَقّاها شَقًّا، وكانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً. وكانَ مِن قِصَّتِها ما حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال بعث رسول الله ص زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ إلى وادِي القُرى، فَلَقِيَ بِهِ بَنِي فَزارَةَ، فَأُصِيبَ بِهِ أُناسٌ مِن أصْحابِهِ، وارْتَثَّ زَيْدٌ مِنَ بَيْنِ القَتْلى، وأُصِيبَ فيها ورد ابن عَمْرٍو أحَدُ بَنِي سَعْدٍ بَنِي هُذَيْمٍ، أصابَهُ أحَدُ بَنِي بَدْرٍ، فَلَمّا قَدِمَ زَيْدٌ نَذَرَ الا يَمَسَّ رَأْسَهُ غُسْلٌ مِن جَنابَةٍ حَتّى يَغْزُوَ فَزارَةَ، فَلَمّا اسْتَبَلَّ مِن جِراحِهِ بَعَثَهُ رَسُولُ الله ص فِي جَيْشٍ إلى بَنِي فَزارَةَ، فَلَقِيَهُمْ بِوادِي القُرى، فَأصابَ فِيهِمْ، وقَتَلَ قَيْسُ بْنُ المُسَحِّرِ اليَعْمُرِيُّ مَسْعدَةَ بْنَ حِكْمَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ بَدْرٍ، وأسَرَ أُمَّ قِرْفَةَ- وهِيَ فاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بَدْرٍ، وكانَتْ عِنْدَ مالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، عَجُوزًا كَبِيرَةً- وبِنْتًا لَها، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ فَأمَرَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ أنْ يَقْتُلَ أُمَّ قِرْفَةَ، فَقَتَلَها قَتْلا عَنِيفًا، رَبَطَ بِرِجْلَيْها حَبْلَيْنِ ثُمَّ رَبَطَهُما إلى بَعِيرَيْنِ حَتّى شَقّاها. ثُمَّ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ الله ص بِابْنَةِ أُمِّ قِرْفَةَ وبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعَدَةَ، وكانَتِ ابْنَةُ أُمِّ قِرْفَةَ لِسَلَمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأكْوَعِ، كانَ هُوَ الَّذِي أصابَها، وكانَتْ فِي بَيْتِ شَرَفٍ مِن قَوْمِها، كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: لَوْ كُنْتُ أعَزَّ مِن أُمِّ قِرْفَةَ ما زدت فسألها رسول الله ص سلمه، فَوَهَبَها لَهُ، فَأهْداها لِخالِهِ حَزْنِ بْنِ أبِي وهْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَزْنٍ. وأمّا الرِّوايَةُ الأُخْرى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ، أنَّ أمِيرَها كانَ أبا بَكْرِ بْنَ أبِي قُحافَةَ، حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ يَحْيى، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عامِرٍ، قالَ: حَدَّثَنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ، عَنْ إياسِ بْنِ سَلَمَةَ، عن أبيه، قال: امر رسول الله ص عَلَيْنا أبا بَكْرٍ فَغَزَوْنا ناسًا مِن بَنِي فَزارَةَ، فَلَمّا دَنَوْنا مِنَ الماءِ أمَرَنا أبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنا، فَلَمّا صَلَّيْنا الصُّبْحَ، أمَرَنا أبُو بَكْرٍ فَشَنَنّا الغارَةَ عَلَيْهِمِ. قالَ: فَوَرَدْنا الماءَ فَقَتَلْنا بِهِ مَن قَتَلْنا قالَ: فَأبْصَرْتُ عُنُقًا مِنَ النّاسِ، وفِيهِمُ النِّساءُ والذَّرارِيُّ قَدْ كادُوا يَسْبِقُونَ إلى الجَبَلِ، فَطَرَحْتُ سَهْمًا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الجَبَلِ، فَلَمّا رَأوُا السَّهْمَ وقَفُوا، فَجِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهُمْ إلى أبِي بَكْرٍ، وفِيهِمُ امْرَأةٌ مِن بَنِي فَزارَةَ عَلَيْها قَشْعُ أدَمٍ، مَعَها ابْنَةٌ لَها مِن أحْسَنِ العَرَبِ قالَ: فَنَفَّلَنِي أبُو بَكْرٍ ابْنَتَها، قالَ: فَقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيَنِي رسول الله ص بِالسُّوقِ، فَقالَ: يا سَلَمَةُ، لِلَّهِ أبُوكَ! هَبْ لِي المَرْأةَ! فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ أعْجَبَتْنِي وما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا قالَ: فَسَكَتَ عَنِّي حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ لَقِيَنِي فِي السُّوقِ، فَقالَ: يا سَلَمَةُ، لِلَّهِ أبُوكَ! هَبْ لِي المَرْأةَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما كَشَفْتُ لَها ثَوْبًا، وهِيَ لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: فَبَعَثَ بِها رَسُولُ اللَّهِ إلى مَكَّةَ، فَفادى بِها أُسارى مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا فِي أيْدِي المُشْرِكِينَ فَهَذِهِ الرِّوايَةُ عَنْ سَلَمَةَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وفِيها سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جابِرٍ الفِهْرِيِّ إلى العرنيين الذين قتلوا راعى رسول الله ص، واسْتاقُوا الإبِلَ فِي شَوّالٍ مِن سَنَةِ سِتٍّ، وبعثه رسول الله في عشرين فارسا
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.644-642.
حَدَّثَنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن ابن شهاب الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة بن مسعود، عن عبد الله ابن عَبّاسٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، قالَ: كُنّا قَوْمًا تُجّارًا، وكانَتِ الحَرْبُ بَيْنَنا وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ حَصَرَتْنا حَتّى نَهَكَتْ أمْوالَنا، فَلَمّا كانَتِ الهُدْنَةُ بَيْنَنا وبَيْنَ رَسُولِ الله، لم نامن الا نَجِدَ أمْنًا
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.2، ص.646.
سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ

غَزْوَةُ خَيْبَرَ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ، فخرج رسول الله ص فِي بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ إلى خَيْبَرَ واسْتَخْلَفَ عَلى المَدِينَةِ سِباعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الغِفارِيَّ، فَمَضى حَتّى نَزَلَ بِجَيْشِهِ بِوادٍ يُقالُ لَهُ الرَّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَ أهْلِ خَيْبَرَ وبَيْنَ غَطَفانَ- فِيما حَدَّثَنا ابن حميد قال: حَدَّثَنا سلمة، عن ابن إسْحاقَ- لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ أنْ يُمِدُّوا أهْلَ خَيْبَرَ، وكانُوا لَهُمْ مُظاهِرِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ص. قالَ: فَبَلَغَنِي أنَّ غَطَفانَ لَمّا سَمِعَتْ بِمَنزَلِ رسول الله ص مِن خَيْبَرَ، جَمَعُوا لَهُ، ثُمَّ خَرَجُوا لِيُظاهِرُوا يَهُودَ عَلَيْهِ، حَتّى إذا سارُوا مَنقَلَةً سَمِعُوا خَلْفَهُمْ فِي أمْوالِهِمْ وأهالِيهِمْ حِسًّا، ظَنُّوا أنَّ القوم قد خالفوا إلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا عَلى أعْقابِهِمْ، فَأقامُوا فِي أهالِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، وخَلَّوْا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وبَيْنَ خَيْبَرَ، وبدا رسول الله ص بِالأمْوالِ يَأْخُذُها مالا مالا، ويَفْتَتِحُها حِصْنًا حِصْنًا، فَكانَ أوَّلَ حُصُونِهِمُ افْتُتِحَ حِصْنُ ناعِمٍ، وعِنْدَهُ قُتِلَ مَحْمُودُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ رَحًا مِنهُ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ القَمُوصُ، حِصْنُ ابْنِ أبِي الحقيق وأصاب رسول الله ص مِنهُمْ سَبايا، مِنهُمْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وكانَتْ عِنْدَ كِنانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ أبِي الحُقَيْقِ، وابْنَتَيْ عَمٍّ لَها فاصْطَفى رَسُولُ الله ص صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وكانَ دِحْيَةُ الكَلْبِيُّ قَدْ سَألَ رسول الله صَفِيَّةَ، فَلَمّا اصْطَفاها لِنَفْسِهِ أعْطاهُ ابْنَتَيْ عَمِّها، وفَشَتِ السَّبايا مِن خَيْبَرَ فِي قال: ثم جعل رسول الله ص يَتَدَنّى الحُصُونَ والأمْوالَ. حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، أنَّهُ حَدَّثَهُ بَعْضُ أسْلَمَ، أنَّ بَنِي سَهْمٍ مِن أسْلَمَ، أتوا رسول الله ص، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنا وما بِأيْدِينا شَيْءٌ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله شَيْئًا يُعْطِيهِمْ إيّاهُ، [فَقالَ النَّبِيُّ: اللَّهُمَّ إنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حالَهُمْ، وأنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وأنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِمْ إيّاهُ، فافْتَحْ عَلَيْهِمْ أعْظَمَ حُصُونِها، أكْثَرَها طَعامًا ووَدَكًا] فَغَدا النّاسُ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بْنِ مُعاذٍ، وما بِخَيْبَرَ حِصْنٌ كانَ أكْثَرَ طَعامًا ووَدَكًا مِنهُ.

قالَ: ولَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِن حُصُونِهِمْ ما افْتَتَحَ، وحازَ مِنَ الأمْوالِ ما حازَ، انْتَهَوْا إلى حِصْنِهِمْ الوَطِيحِ والسَّلالِمِ- وكانَ آخِرَ حُصُونِ خَيْبَرَ افْتُتِحَ- حاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.10-9.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ لِكِنانَةَ: أرَأيْتَ ان وجدناه عندك، ااقتلك؟ قال: نعم، فامر رسول الله ص بِالخَرِبَةِ فَحُفِرَتْ، فَأُخْرِجَ مِنها بَعْضُ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَألَهُ ما بَقِيَ، فَأبى أنْ يُؤَدِّيَهُ، [فَأمَرَ به رسول الله ص الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ، فَقالَ: عَذِّبْهُ حَتّى تَسْتَأْصِلَ ما عِنْدَهُ،] فَكانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدِهِ فِي صَدْرِهِ حَتّى أشْرَفَ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ وحاصَرَ رَسُولُ الله ص أهْلَ خَيْبَرَ فِي حِصْنَيْهِمُ، الوَطِيحَ والسَّلالِمَ، حَتّى إذا أيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ سَألُوهُ أنْ يُسَيِّرَهُمْ ويَحْقِنَ لَهُمْ دِماءَهُمْ، فَفَعَلَ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ حازَ الأمْوالَ كُلَّها:

الشِّقَّ ونَطاةَ والكَتِيبَةَ، وجَمِيعَ حُصُونِهِمْ إلا ما كانَ مِن ذَيْنِكَ الحِصْنَيْنِ.

فَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ أهْلُ فَدَكَ قَدْ صَنَعُوا ما صَنَعُوا بَعَثُوا إلى رسول الله ص يَسْألُونَهُ أنْ يُسَيِّرَهُمْ ويَحْقِنَ دِماءَهُمْ لَهُمْ، ويُخَلُّوا له الأمْوالَ، فَفَعَلَ، وكانَ فِيمَن مَشى بَيْنَهُمْ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ مُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، أخُو بَنِي حارِثَةَ، فَلَمّا نَزَلَ أهْلُ خَيْبَرَ عَلى ذَلِكَ، سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يُعامِلَهُمْ بِالأمْوالِ عَلى النِّصْفِ، وقالُوا: نَحْنُ أعْلَمُ بِها منكم، واعمر لها، فصالحهم رسول الله ص عَلى النِّصْفِ، عَلى أنّا إذا شِئْنا أنْ نُخْرِجَكُمْ أخْرَجْناكُمْ، وصالَحَهُ أهْلُ فَدَكَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكانَتْ خَيْبَرُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وكانَتْ فَدَكُ خالصه لرسول الله ص، لأنَّهُمْ لَمْ يَجْلِبُوا عَلَيْها بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.15.
حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، قالَ:

سَألْتُ ابْنَ شِهابٍ الزُّهْرِيَّ: كَيْفَ كانَ إعْطاءُ رَسُولِ اللَّهِ ص يَهُودَ خَيْبَرَ نَخِيلَهُمْ حِينَ أعْطاهُمُ النَّخْلَ عَلى خَرْجِها؟ أبَتَّ ذَلِكَ لَهُمْ حَتّى قُبِضَ، أمْ أعْطاهُمْ إيّاها لِضَرُورَةِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَأخْبَرَنِي ابن شهاب ان رسول الله ص افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ القِتالِ، وكانَتْ خَيْبَرُ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ، خَمَسَها رَسُولُ الله وقسمها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، ونَزَلَ مَن نَزَلَ مِن أهْلِها عَلى الإجْلاءِ بَعْدَ القِتالِ، فَدَعاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقالَ: [إنْ شِئْتُمْ دَفَعْنا إلَيْكُمْ هَذِهِ الأمْوالَ عَلى أنْ تَعْمَلُوها، وتَكُونَ ثِمارُها بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ، وأُقِرُّكُمْ ما أقَرَّكُمُ اللَّهُ] فَقَبِلُوا، فَكانُوا عَلى ذلك يعملونها وكان رسول الله ص يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ فَيَقْسِمُ ثَمَرَها، ويَعْدِلُ عَلَيْهِمْ فِي الخَرْصِ، فَلَمّا تَوَفّى اللَّهُ ﷿ نبيه ص أقَرَّها أبُو بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ فِي أيْدِيهِمْ عَلى المُعامَلَةِ الَّتِي كانَ عامَلَهُمْ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ حَتّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ أقَرَّها عُمَرُ صَدْرًا مِن إمارَتِهِ، ثَمَّ بَلَغَ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ الله ص قالَ فِي وجَعِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ دِينانِ،] فَفَحَصَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ الثَّبْتُ، فَأرْسَلَ إلى يَهُودَ أنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ فِي إجْلائِكُمْ، فَقَدْ بلغنى ان رسول الله ص قالَ: [لا يَجْتَمِعَنَّ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ دِينانِ،] فَمَن كانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَأْتِنِي بِهِ أُنْفِذْهُ لَهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ مِنَ اليَهُودِ فَلْيَتَجَهَّزْ لِلْجَلاءِ، فَأجْلى عُمَرُ مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عهد من رسول الله ص مِنهُمْ.

قالَ أبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله ص إلى المَدِينَةِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.19-18.
قالَ: وفِيها سَرِيَّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إلى يُمْنٍ وجِنابٍ، فِي شَوّالٍ مِن سَنَةِ سَبْعٍ، ذَكَرَ أنَّ يَحْيى بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، قالَ: الَّذِي أهاجَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ أنَّ حُسَيْلَ بْنَ نُوَيْرَةَ الاشجعى- وكان دليل رسول الله ص الى خيبر- قدم على النبي ص، فَقالَ: ما وراءَكَ؟ قالَ: تَرَكْتُ جَمْعًا مِن غَطَفانَ بِالجِنابِ قَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ لِيَسِيرُوا إلَيْكُمْ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ، وخَرَجَ مَعَهُ الدَّلِيلُ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأصابُوا نَعَمًا وشاءً، ولَقِيَهُمْ عَبْدٌ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ، فانْهَزَمَ، فَلَقِيَهُ الحارِثُ بْنُ عَوْفٍ مُنْهَزِمًا، فَقالَ: قَدْ آنَ لَكَ يا عُيَيْنَةُ أنْ تُقْصِرَ عما ترى
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.23.
قالَ: فَأمْهَلْناهُمْ حَتّى راحَتْ رائِحَتُهُمْ، حَتّى إذا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وذَهَبَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ شَنَنّا عَلَيْهِمُ الغارَةَ، فَقَتَلْنا مَن قَتَلْنا واسْتَقْنا النَّعَمَ، فَوَجَّهْنا قافِلِينَ، وخَرَجَ صَرِيخُ القَوْمِ إلى القَوْمِ مُغَوِّثًا قالَ:

وخَرَجْنا سِراعًا حَتّى نَمُرَّ بِالحارِثِ بْنِ مالِكٍ، ابْنِ البَرْصاءِ، وصاحِبِهِ، فانْطَلَقْنا بِهِ مَعَنا، وأتانا صَرِيخُ النّاسِ، فَجاءَنا ما لا قِبَلَ لَنا بِهِ، حَتّى إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ إلا بَطْنُ الوادِي مِن قَدِيدٍ، بَعَثَ اللَّهُ ﷿ مِن حَيْثُ شاءَ سَحابًا ما رَأيْنا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا ولا خالا، فَجاءَ بِما لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأيْناهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيْنا، ما يَقْدِرُ أحَدٌ مِنهُمْ أنْ يُقْدِمَ ولا يَتَقَدَّمَ، ونَحْنُ نَحْدُوها سِراعًا، حَتّى أسْنَدْناها فِي المُشَلَّلِ، ثُمَّ حَدَرْناها عَنْها، فَأعْجَزْنا القَوْمَ بِما فِي أيْدِينا، فَما أنْسى قَوْلَ راجِزٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهُوَ يَحْدُوها فِي أعْقابِها، ويَقُولُ: أبى أبُو القاسِمِ أنْ تَعْزُبِي … فِي خَضِلٍ نَباتُهُ مُغْلَوْلَبِ صُفْرٍ أعالِيهِ كَلَوْنِ المُذْهَبِ حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رَجُلٍ مِن أسْلَمَ، عَنْ شَيْخٍ مِنهُمْ، أنَّ شعار اصحاب رسول الله ص تِلْكَ اللَّيْلَةَ كانَ: أمِتْ أمِتْ.

قالَ الواقدي: كانَتْ سَرِيَّةُ غالِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِضْعَةَ عشر رجلا
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.28.
قال: وفيها بعث رسول الله ص العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ إلى المُنْذِرِ بْنِ ساوى العَبْدِيِّ، وكَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إلى المُنْذِرِ بْنِ ساوى سَلامٌ عَلَيْكَ، فَإنِّي أحمد إليك اللَّه الَّذِي لا إله إلا هُوَ، أمّا بَعْدُ، فَإنَّ كِتابَكَ جاءَنِي ورُسُلَكَ وإنَّهُ مَن صَلّى صَلاتَنا، وأكَلَ ذَبِيحَتَنا، واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا، فَإنَّهُ مُسْلِمٌ، لَهُ ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْهِ ما عَلى المُسْلِمِينَ، ومَن أبى فَعَلَيْهِ الجِزْيَةُ قال: فصالحهم رسول الله ص عَلى أنَّ عَلى المَجُوسِ الجِزْيَةَ، لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، ولا تُنْكَحُ نِساؤُهُمْ. قالَ: وفِيها بَعَثَ رسول الله ص عَمْرَو بْنَ العاصِ إلى جَيْفَرَ وعَبّادَ ابْنَيْ جَلَنْدِيٍّ بِعُمانَ، فَصَدَّقا النَّبِيَّ، وأقَرّا بِما جاءَ بِهِ، وصَدَّقَ أمْوالَهُما، وأخَذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.29.
[حوادث متفرقة]

قالَ: وفِيها كانَتْ سَرِيَّةٌ وجَّهَها رَسُولُ اللَّهِ ص فِي شَعْبانَ، أمِيرُها أبُو قَتادَةَ . حَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسْحاقَ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ الأنْصارِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ، عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ، قالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأةً مِن قَوْمِي، فَأصْدَقْتُها مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص أسْتَعِينُهُ عَلى نِكاحِي، فَقالَ: وكَمْ أصْدَقْتَ؟ قُلْتُ: مِائَتَيْ دِرْهَمٍ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! لَوْ كُنْتُمْ إنَّما تَأْخُذُونَ الدَّراهِمَ مِن بَطْنِ وادٍ ما زِدْتُمْ! واللَّهِ ما عِنْدِي ما أُعِينُكَ بِهِ]. قالَ: فَلَبِثْتُ أيّامًا، وأقْبَلَ رَجُلٌ مِن بَنِي جُشَمَ بْنِ مُعاوِيَةَ يُقالُ لَهُ رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ- أوْ قَيْسُ بْنُ رِفاعَةَ- فِي بَطْنِ عَظِيمٍ مِن جُشَمَ، حَتّى نَزَلَ بِقَوْمِهِ ومَن مَعَهُ بِالغابَةِ، يُرِيدُ أنْ يجمع قيسا على حرب رسول الله ص. قالَ: وكانَ ذا اسْمٍ وشَرَفٍ فِي جُشَمَ قال: فدعاني رسول الله ص ورَجُلَيْنِ، مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: اخْرُجُوا إلى هَذا الرَّجُلِ حَتّى تَأْتُونا بِهِ، أوْ تَأْتُونا مِنهُ بِخَبَرٍ وعِلْمٍ قالَ: وقَدَّمَ لَنا شارِفًا عَجْفاءَ، فحمل عليها أحدنا، فو الله ما قامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتّى دَعَمَها الرِّجالُ مِن خَلْفِها بِأيْدِيهِمْ حَتّى اسْتَقَلَّتْ وما كادَتْ ثُمَّ قالَ: تَبْلُغُوا عَلى هَذِهِ واعْتَقِبُوها. قالَ: فَخَرَجْنا ومَعَنا سِلاحُنا مِنَ النَّبْلِ والسُّيُوفِ، حَتّى جِئْنا قَرِيبًا مِنَ الحاضِرِ عُشَيْشِيَّةً مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَمَنتُ فِي ناحِيَةٍ، وأمَرْتُ صاحِبَيَّ، فَكَمَنا فِي ناحِيَةٍ أُخْرى مِن حاضِرِ القَوْمِ، وقُلْتُ لَهُما: إذا سَمِعْتُمانِي قَدْ كَبَّرْتُ وشَدَدْتُ عَلى العسكر فكبرا وشدا معى. قال: فو الله إنّا لَكَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أنْ نَرى غِرَّةً أوْ نُصِيبَ مِنهُمْ شَيْئًا، غَشِيَنا اللَّيْلُ حَتّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ العِشاءِ، وقَدْ كانَ لَهُمْ راعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ، فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ حَتّى تخوفوا عليه قالَ: فَقامَ صاحِبُهُمْ ذَلِكَ رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، فَأخَذَ سَيْفَهُ، فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لأتْبَعَنَّ أثَرَ راعِينا هَذا، ولَقَدْ أصابَهُ شَرٌّ فَقالَ نَفَرٌ مِمَّنْ مَعَهُ: واللَّهِ لا تَذْهَبُ، نَحْنُ نَكْفِيكَ! فَقالَ: واللَّهِ لا يَذْهَبُ إلا أنا، قالُوا: فَنَحْنُ مَعَكَ، قالَ: واللَّهِ لا يَتْبَعُنِي مِنكُمْ أحَدٌ. قالَ: وخَرَجَ حَتّى مَرَّ بِي، فَلَمّا أمْكَنَنِي نَفَحْتُهُ بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ في فؤاده، فو الله ما تَكَلَّمَ، ووَثَبْتُ إلَيْهِ فاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ، ثُمَّ شَدَدْتُ فِي ناحِيَةِ العَسْكَرِ وكَبَّرْتُ، وشَدَّ صاحِبايَ وكبرا، فو الله ما كانَ إلا النَّجاءُ مِمَّنْ كانَ فِيهِ عِنْدَكَ بِكُلِّ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ مِن نِسائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وما خَفَّ مَعَهُمْ مِن أمْوالِهِمْ. قالَ: فاسْتَقْنا إبِلا عَظِيمَةً، وغَنَمًا كَثِيرَةً، فَجِئْنا بِها الى رسول الله ص، وجِئْتُ بِرَأْسِهِ أحْمِلُهُ مَعِي، قالَ: فَأعانَنِي رَسُولُ الله ص مِن تِلْكَ الإبِلِ بِثَلاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا، فَجَمَعْتُ إلَيَّ أهْلِي.

وأمّا الواقِدِيُّ، فَذَكَرَ أنَّ مُحَمَّدَ بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، حدثه عن أبيه، النبي ص بَعَثَ ابْنَ أبِي حَدْرَدٍ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ مَعَ أبِي قَتادَةَ، وأنَّ السَّرِيَّةَ كانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلا، وأنَّهُمْ غابُوا خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وأنَّ سُهْمانَهُمْ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا يُعْدَلُ البَعِيرُ بِعَشْرٍ مِنَ الغَنَمِ، وأنَّهُمْ أصابُوا فِي وُجُوهِهِمْ أرْبَعَ نِسْوَةٍ، فِيهِنَّ فَتاةٌ وضِيئَةٌ، فَصارَتْ لأبِي قَتادَةَ، فَكَلَّمَ مَحْمِيَةُ بْنُ الجَزْءِ فِيها رسول الله ص، فسال رسول الله ص أبا قَتادَةَ عَنْها، فَقالَ: اشْتَرَيْتُها مِنَ المَغْنَمِ، فَقالَ: هَبْها لِي، فَوَهَبَها لَهُ، فَأعْطاها رَسُولُ الله مَحْمِيَةَ بْنَ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيَّ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.36-34.
ذِكْرُ الخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ

قالَ ابْنُ إسْحاقَ- فِيما حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سلمة عنه، قال: لما رجع رسول الله ص إلى المَدِينَةِ مِن خَيْبَرَ، أقامَ بِها شَهْرَيْ رَبِيعٍ، ثُمَّ بَعَثَ فِي جُمادى الأُولى بَعْثَهُ إلى الشّامِ الَّذِينَ أُصِيبُوا بِمُؤْتَةَ حَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قالَ: بعث رسول الله ص بَعْثَهُ إلى مُؤْتَةَ فِي جُمادى الأُولى مِن سَنَةِ ثَمانٍ، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، وقالَ: إنْ أُصِيبَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَجَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ عَلى النّاسِ، فَإنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ عَلى النّاسِ. فَتَجَهَّزَ النّاسُ، ثُمَّ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، وهُمْ ثَلاثَةُ آلافٍ، فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ ودَّعَ النّاسُ أُمَراءَ رَسُولِ اللَّهِ وسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ ووَدَّعُوهُمْ فَلَمّا وُدِّعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ مَعَ مَن ودع من أمراء رسول الله ص بكى، فقالوا له: ما يبكيك يا بن رَواحَةَ؟ فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا، ولا صَبابَةٌ بِكُمْ، [ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقْرَأُ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ يَذْكُرُ فِيها النّارَ: «وإنْ مِنكُمْ إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا]». فَلَسْتُ أدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ بَعْدَ الوُرُودِ! فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ ودَفَعَ عَنْكُمْ، ورَدَّكُمْ إلَيْنا صالِحِينَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: لَكِنَّنِي أسْألُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً … وضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا أوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهَزَةً … بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبِدا حَتّى يَقُولُوا إذا مَرُّوا عَلى جَدَثِي … أرْشَدَكَ اللَّهُ مِن غازٍ وقَدْ رَشَدا! ثُمَّ إنَّ القَوْمَ تَهَيَّئُوا لِلْخُرُوجِ، فَجاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إلى رَسُولِ الله ص فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ القَوْمُ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يُشَيِّعُهُمْ، حَتّى إذا ودَّعَهُمْ وانْصَرَفَ عَنْهُمْ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: خَلَفَ السَّلامُ عَلى امْرِئٍ ودَّعْتُهُ … فِي النَّخْلِ خَيْرَ مُشَيِّعٍ وخَلِيلِ

ثُمَّ مَضَوْا حَتّى نَزَلُوا مُعانَ مِن أرْضِ الشّامِ، فَبَلَغَ النّاسَ أنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ مِن أرْضِ البَلْقاءِ فِي مِائَةِ ألْفٍ مِنَ الرُّومِ، وانْضَمَّتْ إلَيْهِ المُسْتَعْرِبَةُ مِن لَخْمٍ وجُذامٍ وبَلْقَيْنَ وبَهْراءَ وبَلِيٍّ فِي مِائَةِ ألْفٍ مِنهُمْ، عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن بَلِيٍّ، ثُمَّ أحَدُ إراشَةَ، يُقالُ لَهُ: مالِكُ بْنُ رافِلَةَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ المُسْلِمِينَ أقامُوا عَلى مَعانٍ لَيْلَتَيْنِ، يَنْظُرُونَ فِي أمْرِهِمْ، وقالُوا: نَكْتُبُ إلى رَسُولِ الله ونُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوِّنا، فَإمّا أنْ يُمِدَّنا بِرِجالٍ، وإمّا أنْ يَأْمُرَنا بِأمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ فَشَجَّعَ النّاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وقالَ: يا قَوْمُ، واللَّهِ إنَّ الَّذِي تَكْرَهُونَ لَلَّذِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشَّهادَةَ، وما نُقاتِلُ النّاسَ بِعَدَدٍ ولا قُوَّةٍ ولا كَثْرَةٍ، ما نُقاتِلُهُمْ إلا بِهَذا الدِّينِ الَّذِي أكْرَمَنا اللَّهُ بِهِ، فانْطَلِقُوا، فَإنَّما هي إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، إمّا ظُهُورٌ، وإمّا شَهادَةٌ، فَقالَ النّاسُ: قَدْ واللَّهِ صَدَقَ ابْنُ رَواحَةَ فَمَضى النّاسُ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.38-36.
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ فِي نَفَرٍ مِن خُزاعَةَ حَتّى قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ المَدِينَةَ، فَأخْبَرُوهُ بِما أُصِيبَ مِنهُمْ، وبِمُظاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا راجِعِينَ إلى مَكَّةَ [وقَدْ كانَ رسول الله ص قالَ لِلنّاسِ:

كَأنَّكُمْ بِأبِي سُفْيانَ قَدْ جاءَ لِيَشْدُدَ العَقْدَ، ويَزِيدَ فِي المُدَّةِ] ومَضى بُدَيْلُ بْنُ ورْقاءَ وأصْحابُهُ، فَلَقُوا أبا سُفْيانَ بِعُسْفانَ، قَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ لِيَشْدُدَ العَقْدَ ويَزِيدَ فِي المُدَّةِ، وقَدْ رَهَبُوا الَّذِي صَنَعُوا، فَلَمّا لَقِيَ أبُو سُفْيانَ بُدَيْلا، قالَ: مِن أيْنَ أقْبَلْتَ يا بُدَيْلُ؟ وظَنَّ أنَّهُ قَدْ أتى رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: سرت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادى. قال: او ما أتَيْتَ مُحَمَّدًا؟ قالَ: لا قالَ: فَلَمّا راحَ بُدَيْلٌ إلى مَكَّةَ قالَ أبُو سُفْيانَ: لَئِنْ كانَ جاءَ المَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِها النَّوى، فَعَمَدَ إلى مَبْرَكِ ناقَتِهِ، فَأخَذَ مِن بَعْرِها فَفَتَّهُ، فَرَأى فِيهِ النَّوى، فَقالَ: أحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جاءَ بُدَيْلٌ مُحَمَّدًا. ثُمَّ خَرَجَ أبُو سفيان حتى قدم على رسول الله ص المَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلى فِراشِ رسول الله ص طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقالَ: يا بُنَيَّةُ، واللَّهِ ما أدْرِي أرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذا الفِراشِ، أمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي! قالَتْ: بَلْ هُوَ فِراشُ رَسُولِ اللَّهِ، وأنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أنْ تَجْلِسَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ، قالَ: واللَّهِ لَقَدْ أصابَكِ يا بُنَيَّةُ بَعْدِي شَرٌّ ثُمَّ خَرَجَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ص، فَكَلَّمَهُ فَلَمْ يَرْدُدْ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إلى أبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ أنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: ما أنا بِفاعِلٍ ثُمَّ أتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَكَلَّمَهُ فَقالَ: أنا اشفع لكم الى رسول الله! فو الله لَوْ لَمْ أجِدْ إلا الذَّرَّ لَجاهَدْتُكُمْ ثُمَّ خَرَجَ فَدَخَلَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعِنْدَهُ فاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ، وعِنْدَها الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، غُلامٌ يَدُبٌّ بَيْنَ يَدَيْها، فَقالَ: يا عَلِيُّ، إنَّكَ أمَسُّ القَوْمِ بِي رَحِمًا، وأقَرَبُهُمْ مِنِّي قَرابَةً، وقَدْ جِئْتُ فِي حاجَةٍ، فَلا أرْجِعَنَّ كَما جِئْتُ خائِبًا، اشْفَعْ لَنا إلى رَسُولِ اللَّهِ! قالَ: ويْحَكَ يا أبا سُفْيانَ! واللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أمْرٍ ما نَسْتَطِيعُ أنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ، فالتَفَتَ إلى فاطِمَةَ، فَقالَ: يا ابْنَةَ مُحَمَّدٍ، هَلْ لَكِ أنْ تَأْمُرِي بُنَيَّكِ هَذا فَيُجِيرُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ! قالَتْ: واللَّهِ ما بلغ بنيى ذلك أنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ، وما يُجِيرُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ أحَدٌ قالَ: يا أبا الحَسَنِ، إنِّي أرى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فانْصَحْنِي فَقالَ لَهُ: واللَّهِ ما أعْلَمُ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، ولَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنانَةَ، فَقُمْ فَأجِرْ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ الحَقْ بِأرْضِكَ.

قالَ: او ترى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا! قالَ: لا واللَّهِ ما أظُنُّ، ولَكِنْ لا أجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَقامَ أبُو سُفْيانَ فِي المَسْجِدِ، فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنِّي قَدْ أجَرْتُ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فانْطَلَقَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.47-45.
فَلَمّا نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرانِ خَرَجَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ومَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ فَحَدَّثَنا أبُو كُرَيْبٍ، قالَ: أخْبَرَنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَمّا نَزَلَ رَسُولُ الله ص مَرَّ الظَّهْرانِ، قالَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وقد خرج رسول الله ص مِنَ المَدِينَةِ: يا صَباحَ قُرَيْشٍ! واللَّهِ لَئِنْ بغتها رسول الله فِي بِلادِها، فَدَخَلَ مَكَّةَ عَنْوَةً، إنَّهُ لَهَلاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ! فَجَلَسَ عَلى بَغْلَةِ رَسُولِ الله ص البَيْضاءَ، وقالَ: أخْرُجُ إلى الأراكِ لَعَلِّي أرى حَطّابًا أوْ صاحِبَ لَبَنٍ، أوْ داخِلا يَدْخُلُ مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله، فيأتونه فيستامنونه فخرجت
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.52.
وحَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، قالَ: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن ابى نجيح، ان النبي ص حِينَ فَرَّقَ جَيْشَهُ مِن ذِي طُوًى، أمَرَ الزُّبَيْرَ أنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِن كُدًى، وكانَ الزُّبَيْرُ عَلى المُجَنِّبَةِ اليُسْرى، فَأمَرَ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ أنْ يَدْخُلَ فِي بَعْضِ النّاسِ مِن كَداءَ فَزَعَمَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ سَعْدًا قالَ حِينَ وُجِّهَ داخِلا: اليَوْمُ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمُ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ فَسَمِعَها رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، [فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْمَعْ ما قالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وما نَأْمَنُ أنْ تَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ! فَقالَ رسول الله ص لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: أدْرِكْهُ فَخُذِ الرّايَةَ، فَكُنْ أنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِها]
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.56.
وكانَ رَسُولُ الله ص قَدْ عَهِدَ إلى أُمَرائِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ حِينَ امرهم ان يدخلوا مكة، الا يَقْتُلُوا أحَدًا إلا مَن قاتَلَهُمْ إلا أنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمّاهُمْ، أمَرَ بِقَتْلِهِمْ وان وجدوا تحت استار الكعبه منهم عبد الله بن سعد ابن أبِي سَرْحِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عامِرِ ابن لؤي- وانما امر رسول الله ص بِقَتْلِهِ، لأنَّهُ كانَ قَدْ أسْلَمَ فارْتَدَّ مُشْرِكًا، فَفَرَّ إلى عُثْمانَ، وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ، فغيبه حتى اتى به رسول الله ص بَعْدَ أنِ اطْمَأنَّ أهْلُ مَكَّةَ، فاسْتَأْمَنَ لَهُ رسول الله، فذكر ان رسول الله ص صَمَتَ طَوِيلا، ثُمَّ قالَ: نَعَمْ، فَلَمّا انْصَرَفَ بِهِ عُثْمانُ، [قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمَن حَوْلَهُ مِن أصْحابِهِ: أما واللَّهِ لَقَدْ صَمَتُّ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ! فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: فَهَلا أوْمَأْتَ إلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: إنَّ النَّبِيَّ لا يَقْتُلُ بِالإشارَةِ]- وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ، رَجُلٌ مِن بَنِي تَيْمِ بن غالب- وانما امر بقتله لأنه كان مسلما، فبعثه رسول الله ص مُصَّدِّقًا، وبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنَ الأنْصارِ، وكانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُ يَخْدِمُهُ، وكانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنزِلا، وأمَرَ المَوْلى أنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا، ويَصْنَعَ لَهُ طَعامًا، ونامَ فاسْتَيْقَظَ ولَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وكانَتْ لَهْ قَيْنَتانِ: فَرْتَنى وأُخْرى مَعَها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ص، فَأمَرَ بِقَتْلِهِما مَعَهُ- والحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذِ بْنِ وهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وكانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ، ومِقْيَسُ بْنُ صُبابَةَ- وإنَّما أمَرَ بِقَتْلِهِ لِقَتْلِهِ الأنْصارِيَّ الَّذِي كانَ قَتَلَ أخاهُ خَطَأً، ورُجُوعِهِ إلى قُرَيْشٍ مُرْتَدًّا- وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وسارَةُ مَوْلاةٌ كانَتْ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَتْ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ بِمَكَّةَ فَأمّا عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ فَهَرَبَ إلى اليَمَنِ، وأسْلَمَتِ امْرَأتُهُ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الحارِثِ بْنِ هشام، فاستامنت له رسول الله فَأمَّنَهُ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ حَتّى أتَتْ بِهِ رسول الله ص، فَكانَ عِكْرِمَةُ يُحَدِّثُ- فِيما يَذْكُرُونَ- أنَّ الَّذِي رَدَّهُ إلى الإسْلامِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى اليَمَنِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أرَدْتُ رُكُوبَ البَحْرِ لألْحَقَ بِالحَبَشَةِ، فَلَمّا أتَيْتُ السَّفِينَةَ لأرْكَبَها قالَ صاحِبُها: يا عَبْدَ اللَّهِ، لا تَرْكَبْ سَفِينَتِي حَتّى تُوَحِّدَ اللَّهَ، وتَخْلَعَ ما دُونَهُ مِنَ الأنْدادِ، فَإنِّي أخْشى إنْ لَمْ تَفْعَلْ أنْ نَهْلِكَ فِيها، فَقُلْتُ: وما يَرْكَبُهُ أحَدٌ حَتّى يُوَحِّدَ اللَّهَ ويَخْلَعَ ما دُونَهُ! قالَ: نَعَمْ، لا يَرْكَبُهُ أحَدٌ إلا أخْلَصَ.

قالَ: فَقُلْتُ: فَفِيمَ أُفارِقُ مُحَمَّدًا! فَهَذا الَّذِي جاءَنا به، فو الله إنَّ إلَهَنا فِي البَحْرِ لإلَهُنا فِي البَرِّ، فَعَرَفْتُ الإسْلامَ عِنْدَ ذَلِكَ، ودَخَلَ فِي قَلْبِي واما عبد الله ابن خَطَلٍ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ المَخْزُومِيُّ وأبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ، اشْتَرَكا فِي دَمِهِ، وأمّا مِقْيَسُ بْنُ صُبابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالَتْ أُخْتُ مِقْيَسٍ: لَعَمْرِي لَقَدْ أخَزى نُمَيْلَةُ رَهْطَهُ … وفَجَّعَ أضْيافَ الشِّتاءِ بِمِقْيَسِ فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِثْلَ مِقْيَسٍ … إذا النُّفَساءُ أصْبَحَتْ لَمْ تُخَرَّسِ! وأمّا قَيْنَتا ابْنِ خَطَلٍ فَقُتِلَتْ إحْداهُما، وهَرَبَتِ الأُخْرى حَتّى استؤمن لها رسول الله ص بَعْدُ، فَأمَّنَها وأمّا سارَةُ، فاسْتُؤْمِنَ لَها فَأمَّنَها، ثُمَّ بَقِيَتْ حَتّى أوْطَأها رَجُلٌ مِنَ النّاسِ فَرَسًا لَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالأبْطَحِ، فَقَتَلَها وأمّا الحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ بن أبي طالب ﵁. وقال الواقدى: امر رسول الله ص بِقَتْلِ سِتَّةِ نَفَرٍ وأرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَذَكَرَ مِنَ الرِّجالِ مَن سَمّاهُ ابْنُ إسْحاقَ، ومِنَ النِّساءِ هند بنت عتبة ابن رَبِيعَةَ، فَأسْلَمَتْ وبايَعَتْ، وسارَةَ مَوْلاةَ عَمْرِو بْنِ هاشم بن عبد المطلب ابن عَبْدِ مَنافٍ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وقَرِيبَةَ، قُتِلَتْ يَوْمَئِذٍ، وفَرْتَنى عاشَتْ إلى خِلافَةِ عُثْمانَ. حَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى ابن الوَجِيهِ، عَنْ قَتادَةَ السَّدُوسِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قامَ قائِمًا حِينَ وقَفَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ قالَ: لا إلَهَ إلا اللَّهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ ألا كُلُّ مَأْثَرَةٍ، أوْ دَمٍ، أوْ مالٍ يُدَّعى، فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلا سِدانَةَ البَيْتِ وسِقايَةَ الحاجِّ. ألا وقَتِيلُ الخَطَأ مِثْلُ العمد، السوط والعصا، فيهما الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ، مِنها أرْبَعُونَ فِي بُطُونِها أوْلادُها. يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَها بِالآباءِ النّاسُ مِن آدَمَ، وآدَمُ خُلِقَ مِن تراب ثم تلا رسول الله ص: «يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكُمْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ» الآيَةَ. يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ويا أهْلَ مَكَّةَ، ما تَرَوْنَ أنِّي فاعِلٌ بِكُمْ؟ قالُوا:

خَيْرًا، أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ ثُمَّ قالَ: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فاعتقهم رسول الله ص، وقَدْ كانَ اللَّهُ أمْكَنَهُ مِن رِقابِهِمْ عَنْوَةً، وكانُوا لَهُ فَيْئًا، فَبِذَلِكَ يُسَمّى أهْلُ مَكَّةَ الطُّلَقاءَ ثُمَّ اجْتَمَعَ النّاسُ بِمَكَّةَ لِبَيْعَةِ رَسُولِ الله ص عَلى الإسْلامِ، فَجَلَسَ لَهُمْ- فِيما بَلَغَنِي- عَلى الصَّفا وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ أسْفَلَ مِن مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلى النّاسِ فَبايَعَ رسول الله ص عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ- فِيما اسْتَطاعُوا- وكَذَلِكَ كانَتْ بَيْعَتُهُ لِمَن بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ص مِنَ النّاسِ عَلى الإسْلامِ فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ الله ص مِن بَيْعَةِ الرِّجالِ بايَعَ النِّساءَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ نِساءٌ مِن نِساءِ قُرَيْشٍ، فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، مُتَنَقِّبَةً مُتَنَكِّرَةً لِحَدَثِها وما كانَ مِن صَنِيعِها بِحَمْزَةَ، فَهِيَ تَخافُ أنْ يَأْخُذَها رَسُولُ الله ص بِحَدَثِها ذَلِكَ، فَلَمّا دَنَوْنَ مِنهُ لِيُبايِعْنَهُ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.61-58.
حَدَّثَنِي بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي جُذَيْمَةَ، قالَ: لَمّا أمَرَنا خالِدٌ بِوَضْعِ السِّلاحِ، قالَ رَجُلٌ مِنّا يُقالُ لَهُ جَحْدَمٌ: ويْلَكُمْ يا بَنِي جُذَيْمَةَ! إنَّهُ خالِدٌ! واللَّهِ ما بَعْدَ وضْعِ السِّلاحِ إلا الإسارُ، ثُمَّ ما بَعْدَ الإسارِ إلا ضَرْبُ الأعْناقِ، واللَّهِ لا أضَعُ سِلاحِي أبَدًا قالَ: فَأخَذَهُ رِجالٌ مِن قَوْمِهِ، فَقالُوا: يا جَحْدَمُ، أتُرِيدُ أنْ تَسْفِكَ دِماءَنا! إنَّ النّاسَ قَدْ أسْلَمُوا، ووُضِعَتِ الحَرْبُ، وأمِنَ النّاسُ، فَلَمْ يَزالُوا بِهِ حَتّى نَزَعُوا سِلاحَهُ، ووَضَعَ القَوْمُ السِّلاحَ لِقَوْلِ خالِدٍ، فَلَمّا وضَعُوهُ أمَرَ بِهِمْ خالِدٌ عِنْدَ ذَلِكَ فَكُتِّفُوا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى السَّيْفِ، فَقَتَلَ مَن قَتَلَ مِنهُمْ فلما انتهى الخبر الى رسول الله ص رَفَعَ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ! ثُمَّ دَعا عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ ع، [فَقالَ: يا عَلِيُّ اخْرُجْ إلى هَؤُلاءِ القَوْمِ، فانْظُرْ فِي أمْرِهِمْ، واجْعَلْ أمْرَ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ فَخَرَجَ حَتّى جاءَهُمْ ومَعَهُ مالٌ قَدْ بعثه رسول الله ص بِهِ، فَوَدِيَ لَهُمْ الدِّماءَ وما أُصِيبَ مِنَ الأمْوالِ، حَتّى إنَّهُ لَيَدِي مِيلَغَةَ الكَلْبِ، حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِن دَمٍ ولا مالٍ إلا وداهُ، بَقِيَتْ مَعَهُ بَقِيَّةٌ مِنَ المال.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.67.
حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، قال: حدثني مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ، قالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ بَنِي سعد بن بكر، ان رسول الله ص قالَ يَوْمَئِذٍ لِخَيْلِهِ الَّتِي بَعَثَ: إنْ قَدَرْتُمْ على بجاد- رجل من بنى سعد ابن بَكْرٍ- فَلا يَفْلِتَنَّكُمْ، وكانَ بِجادٌ قَدْ أحْدَثَ حَدَثًا، فَلَمّا ظَفَرَ بِهِ المُسْلِمُونَ ساقُوهُ وأهْلَهُ، وساقُوا أُخْتَهُ الشَّيْماءَ بِنْتَ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، أُخْتَ رَسُولِ اللَّهِ ص مِنَ الرَّضاعَةِ، فَعَنَّفُوا عَلَيْها فِي السِّياقِ مَعَهُمْ، فَقالَتْ لِلْمُسْلِمِينَ: تَعْلَمُونَ واللَّهِ أنِّي لأُخْتُ صاحِبِكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ، فَلَمْ يُصَدِّقُوها حَتّى أتَوْا بِها رسول الله ص.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.81-80.
غزوه الطائف

فَحَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الوارِثِ، وحَدَّثَنا عَبْدُ الوارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ، قالَ: حَدَّثَنا أبِي، قالَ: أخْبَرَنا أبانُ العَطّارُ، قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عروه، قال: سار رسول الله ص يَوْمَ حُنَيْنٍ مِن فَوْرِهِ ذَلِكَ- يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِن حُنَيْنٍ- حَتّى نَزَلَ الطّائِفَ، فَأقامَ نِصْفَ شهر يقاتلهم رسول الله ص وأصْحابُهُ، وقاتَلَتْهُمْ ثَقِيفٌ مِن وراءِ الحِصْنِ، لَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ أحَدٌ مِنهُمْ، وأسْلَمَ مَن حَوْلَهُمْ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ، وجاءَتْ رَسُولَ الله ص وفودهم، ثم رجع النبي ص ولَمْ يُحاصِرْهُمْ إلا نِصْفَ شَهْرٍ حَتّى نَزَلَ الجِعْرانَةَ، وبِها السَّبْيُ الَّذِي سَبى رَسُولُ اللَّهِ مِن حُنَيْنٍ مِن نِسائِهِمْ وأبْنائِهِمْ- ويَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ السَّبْيَ الَّذِي أصابَ يَوْمَئِذٍ مِن هَوازِنَ كانَتْ عُدَّتُهُ سِتَّةَ آلافٍ مِن نِسائِهِمْ وأبْنائِهِمْ- فلما رجع النبي ص إلى الجِعْرانَةِ، قَدِمَتْ عَلَيْهِ وُفُودُ هَوازِنَ مُسْلِمِينَ، فَأعْتَقَ أبْناءَهُمْ ونِساءَهُمْ كُلَّهُمْ، وأهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنَ الجِعْرانَةِ، وذَلِكَ فِي ذِي القَعْدَةِ.

ثُمَّ إنَّ رسول الله ص رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، واسْتَخْلَفَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وأمْرَهُ أنْ يُقِيمَ لِلنّاسِ الحَجَّ، ويُعَلِّمَ النّاسَ الإسْلامَ، وأمَرَهُ أنْ يُؤَمِّنَ مَن حَجَّ مِنَ النّاسِ، ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا قَدِمَها قَدِمَ عَلَيْهِ وُفُودُ ثَقِيفٍ، فَقاضُوهُ عَلى القَضِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، فَبايَعُوهُ، وهُوَ الكِتابُ الَّذِي عِنْدَهُمْ كاتَبُوهُ عَلَيْهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.82.
فَقِيلَ لَهُ: الضَّيْقَةُ، فَقالَ: بَلْ هِيَ اليُسْرى ثم خرج رسول الله ص عَلى نَخَبٍ، حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقالُ لَها الصّادِرَةُ، قَرِيبًا مِن مالِ رَجُلٍ مِن ثقيف، فأرسل اليه رسول الله ص: إمّا أنْ تَخْرُجَ، وإمّا أنْ نُخَرِّبَ عَلَيْكَ حائِطَكَ، فَأبى أنْ يَخْرُجَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِإخْرابِهِ ثُمَّ مَضى رَسُولُ اللَّهِ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ الطّائِفِ، فَضَرَبَ عَسْكَرُهُ، فَقُتِلَ أُناسٌ مِن أصْحابِهِ بِالنَّبْلِ، وذَلِكَ أنَّ العَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِن حائِطِ الطّائِفِ فَكانَتِ النَّبْلُ تَنالُهُمْ، ولَمْ يَقْدِرِ المُسْلِمُونَ أنْ يَدْخُلُوا حائِطَهُمْ، غَلَّقُوهُ دُونَهُمْ، فَلَمّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِن أصْحابِهِ بِالنَّبْلِ، ارْتَفَعَ، فَوَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الَّذِي بِالطّائِفِ اليَوْمَ، فَحاصَرَهُمْ بِضْعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، ومَعَهُ امْرَأتانِ مِن نِسائِهِ، إحْداهُما أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ وأُخْرى مَعَها- قالَ الواقدي: الأُخْرى زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ- فَضَرَبَ لَهُما قُبَّتَيْنِ، فَصَلّى بَيْنَ القبتين فَلَمّا أسْلَمَتْ ثَقِيفٌ، بَنى عَلى مُصَلّى رَسُول الله ص ذَلِكَ أبُو أُمَيَّةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ وهْبِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مالِكٍ مَسْجِدًا، وكانَتْ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ سارِيةٌ- فِيما يَزْعُمُونَ- لا تَطْلُعُ عَلَيْها الشَّمْسُ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، إلا سُمِعَ لها نقيض، فحاصرهم رسول الله ص، وقاتَلَهُمْ قِتالا شَدِيدًا، وتَرامَوْا بِالنَّبْلِ حَتّى إذا كانَ يَوْمَ الشَّدْخَةِ عِنْدَ جِدارِ الطّائِفِ، دَخَلَ نفر من اصحاب رسول الله ص تَحْتَ دَبّابَةٍ، ثُمَّ زَحَفُوا بِها إلى جِدارِ الطّائِفِ، فَأرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الحَدِيدِ مُحَمّاةً بِالنّارِ، فَخَرَجُوا مِن تَحْتِها، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنَّبْلِ، وقَتَلُوا رِجالا، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِقَطْعِ أعْنابِ ثَقِيفٍ، فَوَقَعَ فِيها النّاسُ يَقْطَعُونَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.84-83.
ثُمَّ إنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ حارِثَةَ بْنِ الأوْقَصِ السُّلَمِيَّةِ- وهِيَ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ- قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعْطِنِي إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ الطّائِفَ حُلِّيَّ بادِيَةَ بِنْتِ غَيْلانَ بْنِ سَلَمَةَ، أوْ حُلِيَّ الفارِعَةِ بِنْتِ عَقِيلٍ- وكانَتا مِن أحْلى نِساءِ ثَقِيفٍ- قالَ: فَذُكِرَ لي ان رسول الله ص قالَ لَها: وإنْ كانَ لَمْ يُؤْذَنْ لِي فِي ثَقِيفٍ يا خُوَيْلَةُ! فَخَرَجَتْ خُوَيْلَةُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَدَخَلَ عُمَرُ عَلى رسول الله ص، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما حَدِيثٌ حَدَّثَتْنِيهِ خُوَيْلَةُ أنَّكَ قُلْتَهُ! قالَ: قَدْ قُلْتُهُ، قالَ: او ما أُذِنَ فِيهِمْ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: لا، قالَ:

أفَلا أُؤَذِّنُ بِالرَّحِيلِ فِي النّاسِ! قالَ: بلى، فاذن عمر بِالرَّحِيلِ، فَلَمّا اسْتَقَلَّ النّاسُ نادى سَعِيدَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْن أبِي عَمْرِو بْنِ عِلاجٍ الثَّقَفِيَّ: ألا إنَّ الحَيَّ مُقِيمٌ! قالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أجَلْ واللَّهِ مَجَدَّةً كِرامًا! فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: قاتَلَكَ اللَّهُ يا عُيَيْنَةُ! أتَمْدَحُ قَوْمًا مِنَ المُشْرِكِينَ بِالامْتِناعِ مِن رَسُولِ اللَّهِ، وقَدْ جِئْتَ تَنْصُرَهُ! قالَ: إنِّي واللَّهِ ما جِئْتُ لأُقاتِلَ مَعَكُمْ ثَقِيفًا، ولَكِنِّي أرَدْتُ أنْ يَفْتَحَ مُحَمَّدٌ الطّائِفَ فَأُصِيبُ مِن ثَقِيفٍ جارِيَةً أتَبَطَّنُها لَعَلَّها أنْ تَلِدَ لِي رَجُلا، فَإنَّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مَناكِيرُ.

واستشهد بالطائف من اصحاب رسول الله ص اثْنا عَشَرَ رَجُلا، سَبْعَةٌ مِن قُرَيْشٍ ورَجُلٌ من بنى ليث، واربعه من الانصار
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.85.
ثم ان رسول الله ص جَدَّ فِي سَفَرِهِ، فَأمَرَ النّاسَ بِالجِهازِ والانْكِماشِ، وحَضَّ أهْلَ الغِنى عَلى النَّفَقَةِ والحُمْلانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ورَغَّبَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَحَمَلَ رِجالٌ من اهل الغنى فاحتسبوا، وانفق عثمان ابن عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أحَدٌ أعْظَمَ مِن نَفَقَتِهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.102.
فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أثَرٌ فَلَمّا انْتَهى رسول الله ص إلى تَبُوكَ، أتاهُ يُحَنةُ بْنُ رُؤْبَةَ، صاحِبُ ايله، فصالح رسول الله ص واعطاه الجزية، واهل جرباء واذرح اعطوه الجزية، وكتب رسول الله ص لِكُلٍّ كِتابًا، فَهُوَ عِنْدَهُمْ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.108.
حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قالَ: حَدَّثَنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ شَيْبانَ بْنِ سَعْدٍ الطّائِيِّ، قالَ: كانَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمِ طَيِّئٍ يَقُولُ فِيما بَلَغَنِي:

ما رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ كانَ أشَدَّ كَراهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ حِينَ سمع به منى، اما انا لكنت امْرَأً شَرِيفًا، وكُنْتُ نَصْرانِيًّا أسِيرُ فِي قَوْمِي بِالمِرْباعِ، فَكُنْتُ فِي نَفْسِي عَلى دِينٍ، وكُنْتُ مَلِكًا فِي قَوْمِي، لِما كانَ يُصْنَعُ بِي، فَلَمّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ كَرِهْتُهُ، فَقُلْتُ لِغُلامٍ كانَ لِي عَرَبِيٌّ وكانَ راعِيًا لإبِلِي: لا ابالك! أعْدِدِ لِي مِن إبِلِي أجْمالا ذُلُلا سِمانًا مسان، فاحْبِسْها قَرِيبًا مِنِّي، فَإذا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمَّدٍ قد وطيء هَذِهِ البِلادَ فَآذِنِّي، فَفَعَلَ ثُمَّ إنَّهُ أتانِي ذاتَ غَداةٍ، فَقالَ: يا عَدِيُّ، ما كُنْتَ صانِعًا إذا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فاصْنَعْهُ الآنَ، فَإنِّي قَدْ رَأيْتُ راياتٍ، فَسَألْتُ عَنْها، فَقالُوا: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ، قالَ: فَقُلْتُ: قَرِّبْ لِي جِمالِي، فَقَرَّبَها، فاحْتَمَلْتُ بِأهْلِي ووَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ:

ألْحَقُ بِأهْلِ دِينِي مِنَ النَّصارى بِالشّامِ، فَسَلَكْتُ الحُوشِيَّةَ وخَلَفْتُ ابْنَةَ حاتِمٍ فِي الحاضِرِ، فَلَمّا قَدِمْتُ الشّامَ أقَمْتُ بِها
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.113-112.
ثُمَّ جَلَسَ فَقالَ رَسُولُ الله ص لِثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِماسٍ أخِي بَلْحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ: قُمْ فَأجِبِ الرَّجُلَ فِي خُطْبَتِهِ. فَقامَ ثابِتٌ، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي السَّمَواتُ والأرْضُ خَلْقُهُ، قَضى فِيهِنَّ أمْرَهُ، ووَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، ولَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إلا مِن فَضْلِهِ ثُمَّ كانَ مِن قُدْرَتِهِ أنْ جَعَلَنا مُلُوكًا واصْطَفى مِن خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولا أكْرَمَهُمْ نَسَبًا، وأصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وأفْضَلَهُمْ حَسَبًا، فَأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابَهُ، وائْتَمَنَهُ عَلى خَلْقِهِ، فَكانَ خِيَرَةَ اللَّهِ مِنَ العالَمِينَ، ثُمَّ دَعا النّاسَ إلى الإيمانِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ المُهاجِرُونَ مِن قَوْمِهِ وذَوِي رَحِمِهِ، أكْرَمُ النّاسِ أنْسابًا، وأحْسَنُ النّاسِ وُجُوهًا، وخَيْرُ النّاسِ فِعالا، ثُمَّ كانَ أوَّلُ الخَلْقِ إجابَةً- واسْتَجابَ لِلَّهِ حِينَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ص- نَحْنُ، فَنَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ووُزَراءُ رَسُولِهِ، نُقاتِلُ النّاسَ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُنِعَ مالُهُ ودَمُهُ، ومَن كَفَرَ جاهَدْناهُ فِي اللَّهِ أبَدًا، وكانَ قَتْلُهُ عَلَيْنا يَسِيرًا، أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِلْمُؤْمِناتِ، والسلام عليكم.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.116.
أمّا بَعْدُ، فَإنَّ مُحَمَّدًا يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ وأنَّهُ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، ثُمَّ إنَّ مالِكَ بْنَ مُرَّةَ الرَّهاوِيَّ قَدْ حَدَّثَنِي أنَّكَ أسْلَمْتَ مِن أوَّلِ حِمْيَرَ، وقَتَلْتَ المُشْرِكِينَ فَأبْشِرْ بِخَيْرٍ، وآمُرُكَ بِحِمْيَرَ خَيْرًا، ولا تَخُونُوا ولا تَخْذِلُوا فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَوْلى غَنِيِّكُمْ وفَقِيرِكُمْ، وإنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولا لأهْلِهِ، إنَّما هِيَ زَكاةٌ يُتَزَكّى بِها عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ وأبْناءِ السَّبِيلِ، وإنَّ مالِكًا قَدْ بَلَّغَ الخَبَرَ وحَفِظَ الغَيْبَ، وآمُرُكُمْ بِهِ خَيْرًا، وإنِّي قَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ مِن صالِحِي أهْلِي وأُولِي دِينِي، وأُولِي عِلْمِهِمْ، فَآمُرُكُمْ بِهِمْ خَيْرًا فَإنَّهُ مَنظُورٌ إلَيْهِمْ، والسَّلامُ عَلَيْكُمْ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.122-121.
قالَ أبُو جَعْفَرٍ: وفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِضَتِ الصدقات، وفرق فيها رسول الله ص عُمّالَهُ عَلى الصَّدَقاتِ وفِيها نَزَلَ قَوْلُهُ: «خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ»، وكانَ السَّبَبَ الَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ قِصَّةُ أمْرِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو أُمامَةَ الباهِلِيُّ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.124-123.
سنه عشر

سريه خالد بن الوليد الى بنى الحارث بن كعب واسلامهم قالَ أبو جعفر: فبعث فيها رَسُول اللَّهِ ص خالد بن الوليد فِي شهر ربيع الآخر- وقيل فِي شهر ربيع الأول، وقيل فِي جمادى الاولى- سريه في أربعمائة إلى بني الحارث بْن كعب. فَحَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسول الله ص خالد ابن الوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ- أوْ فِي جُمادى الأُولى- مِن سَنَةَ عَشْرٍ، إلى بَلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِنَجْرانَ، وأمَرَهُ أنْ يَدْعُوَهُمْ إلى الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُقاتِلَهُمْ ثَلاثًا، فَإنِ اسْتَجابُوا لَكَ فاقْبَلْ مِنهُمْ، وأقِمْ فِيهِمْ، وعَلِّمْهُمْ كِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ، ومَعالِمَ الإسْلامِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقاتِلْهُمْ.

فَخَرَجَ خالِدٌ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ الرُّكْبانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلِّ وجْهٍ، ويَدْعُونَ النّاسَ إلى الإسْلامِ، ويَقُولُونَ: يا أيُّها النّاسُ أسْلِمُوا تَسْلَمُوا فَأسْلَمَ النّاسُ، ودَخَلُوا فِيما دَعاهُمْ إلَيْهِ، فَأقامَ خالِدٌ فِيهِمْ، يُعَلِّمُهُمُ الإسْلامَ وكِتابَ اللَّهِ وسُنَّةَ نَبِيِّهِ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.126.
قدوم وفد الأزد وفيها قدم وفد الأزد، رأسهم صرد بْن عبد الله فِي بضعة عشر فَحَدَّثَنا ابْنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: قدم على رسول الله ص صرد ابن عَبْدِ اللَّهِ الأزْدِيُّ فَأسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلامُهُ، فِي وفْدٍ مِنَ الأزْدِ، فَأمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلى مَن أسْلَمَ مِن قَوْمِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُجاهِدَ بِمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ المُشْرِكِينَ مِن قَبائِلِ اليَمَنِ، فَخَرَجَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَسِيرُ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ فِي جَيْشٍ حَتّى نَزَلَ بِجُرَشَ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُغْلَقَةٌ، وفِيها قَبائِلُ اليَمَنِ، وقَدْ ضَوَتْ إلَيْهِمْ خَثْعَمٌ، فَدَخَلُوا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِ المُسْلِمِينَ، فَحاصَرُوهُمْ بِها قَرِيبًا مِن شَهْرٍ، وامْتَنَعُوا مِنهُمْ فِيها ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ عَنْهُمْ قافِلا، حَتّى إذا كانَ إلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ كُشَرَ ظَنَّ أهْلُ جُرَشَ أنَّهُ إنَّما ولّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتّى إذا أدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلا، وقَدْ كانَ أهْلُ جُرَشَ قَدْ بعثوا رجلين منهم الى رسول الله ص وهُوَ بِالمَدِينَةِ يَرْتادانِ ويَنْظُرانِ، فَبَيْنا هُما عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ عَشِيَّةً بَعْدَ العَصْرِ، إذْ قالَ رسول الله ص: بِأيِّ بِلادِ اللَّهِ شُكَرُ؟ فَقامَ الجُرَشِيّانِ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِبِلادِنا جَبَلٌ يُقالُ لَهُ جَبَلُ كُشَرَ، وكَذَلِكَ تُسَمِّيهِ أهْلُ جُرَشَ، فَقالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِكُشَرَ، ولَكِنَّهُ شُكَرُ [قالا: فماله يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنَّ بُدْنَ اللَّهِ لَتُنْحَرَ عِنْدَهُ الآنَ] قالَ فَجَلَسَ الرَّجُلانِ إلى ابى بكر والى عُثْمانَ، فَقالَ لَهُما: ويْحَكُما! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ الآنَ لَيَنْعِي لَكُما قَوْمَكُما، فَقُوما إلى رَسُولِ اللَّهِ فاسْألاهُ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُما، فَقاما إلَيْهِ فَسَألاهُ ذَلِكَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمْ، فَخَرَجا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ راجِعَيْنِ إلى قَوْمِهِما، فَوَجَدا قَوْمَهُما أُصِيبُوا يَوْمَ أصابَهُمْ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي اليَوْمِ الذى قال فيه رسول الله ص ما قالَ، وفِي السّاعَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيها ما ذَكَرَ، فَخَرَجَ وفْدُ جُرَشَ حَتّى قَدِمُوا على رسول الله ص فَأسْلَمُوا، وحَمى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ عَلى أعْلامٍ مَعْلُومَةٍ لِلْفَرَسِ، ولِلرّاحِلَةِ، ولِلْمُثِيرَةِ تُثِيرُ الحَرْثَ، فَمَن رَعاها مِنَ النّاسِ سِوى ذَلِكَ فَمالُهُ سُحْتٌ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأزْدِ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ- وكانَتْ خَثْعَمٌ تُصِيبُ مِنَ الأزْدِ فِي الجاهِلِيَّةِ
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.131-130.
ذكر جمله الغزوات قالَ أبُو جَعْفَرٍ: وكانَتْ غَزَواتُهُ بِنَفْسِهِ سِتًّا وعِشْرِينَ غَزْوَةً، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: هُنَّ سَبْعٌ وعِشْرُونَ غَزْوَةً، فَمَن قالَ: هِيَ سِتٌّ وعِشْرُونَ، جَعَلَ غزوه النبي ص خَيْبَرَ وغَزْوَتُهُ مِن خَيْبَرَ إلى وادِي القُرى غَزْوَةً واحِدَةً، لأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ مِن خَيْبَرَ حِينَ فَرَغَ مِن أمْرِها إلى مَنزِلِهِ، ولَكِنَّهُ مَضى مِنها إلى وادِي القُرى، فَجَعَلَ ذَلِكَ غَزْوَةً واحِدَةً ومَن قالَ: هِيَ سَبْعٌ وعِشْرُونَ غَزْوَةً، جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ غَزْوَةً، وغَزْوَةَ وادِي القُرى غَزْوَةً أُخْرى، فَيَجْعَلُ العَدَدَ سَبْعًا وعِشْرِينَ.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.152.
وقد كان رسول الله ص بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ وأصْحابَهُ- فِيما بَيْنَ بَدْرٍ وأُحُدٍ- إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَقَتَلُوهُ، وبعث رسول الله ص عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلى خالِدَ بْنَ سُفْيانَ بْنِ نُبَيْحٍ الهُذَلِيِّ- وهُوَ بِنَخْلَةٍ أوْ بِعُرَنَةَ- يَجْمَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ لِيَغْزُوَهُ، فَقَتَلَهُ.

حَدَّثَنا ابن حميد، قال: حَدَّثَنا سلمة، عن مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، قالَ: دعانى رسول الله ص، فَقالَ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ خالِدَ بْنَ سُفْيانَ بْنِ نُبَيْحٍ الهُذَلِيَّ يَجْمَعُ لِيَ النّاسَ لِيَغْزُوَنِي- وهُوَ بِنَخْلَةٍ أوْ بَعُرْنَةَ- فَأْتِهِ فاقْتُلْهُ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ لِي حَتّى أعْرِفَهُ، قالَ: إذا رَأيْتَهُ أذْكَرَكَ الشَّيْطانَ! إنَّهُ آيَةٌ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أنَّكَ إذا رَأيْتَهُ وجَدْتَ لَهُ قَشْعَرِيرَةً قالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا سَيْفِي حَتّى دَفَعْتُ إلَيْهِ وهُوَ فِي ظُعُنٍ يَرْتادُ لَهُنَّ مَنزِلا حَيْثُ كانَ وقْتُ العَصْرِ، فَلَمّا رَأيْتُهُ وجَدْتُ ما وصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ القَشْعَرِيرَةِ، فَأقْبَلْتُ نَحْوَهُ، وخَشِيتُ أنْ تَكُونَ بَيْنِي وبَيْنَهُ مُجاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلَّيْتُ وأنا أمْشِي نَحْوَهُ، أُومِئُ بِرَأْسِي إيماءً، فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلَيْهِ قالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ سَمِعَ بِكَ وبِجَمْعِكَ لِهَذا الرَّجُلِ، فَجاءَكَ لِذَلِكَ، قالَ: أجَلْ، أنا فِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتّى إذا أمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وتَرَكْتُ ظَعائِنَهُ مُكِبّاتٍ عَلَيْهِ. فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ورَآنِي، قالَ: أفْلَحَ الوَجْهُ! قالَ: قُلْتُ: قَدْ قَتَلْتُهُ قالَ: صَدَقْتَ! ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَأعْطانِي عَصًا، فَقالَ: أمْسِكْ هَذِهِ العَصا عِنْدَكَ يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ قالَ:

فَخَرَجْتُ بِها عَلى النّاسِ، فَقالُوا: ما هَذِهِ العَصا؟ قُلْتُ: أعْطانِيها رَسُولُ اللَّهِ، وأمَرَنِي أنْ أمْسِكَها عِنْدِي، قالُوا: أفَلا تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَتَسْألَهُ لِمَ ذَلِكَ؟ فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ أعْطَيْتَنِي هَذِهِ العَصا؟ قالَ: آيَةُ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّ أقَلَّ النّاسِ المُتَخَصِّرُونَ يَوْمَئِذٍ، فَقَرَنَها عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتّى إذا ماتَ أمَرَ بِها فَضُمَّت مَعَهُ فِي كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنا جَمِيعًا
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.157-156.
حَدَّثَنِي الحارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ سعد، قالَ: قالَ محمد ابن عمر: كانت سرايا رسول الله ص ثمانيا وأربعين سرية.
الطبري، أبو جعفر (ت 923). تاريخ الرسل والملوك. المكتبة الشاملة. ج.3، ص.158.